وفاء بنت سالم تكتب: بين دبي وشيراز

وفاء بنت سالم

ما الذي تُخبرنا به المطارات، الحقائب ووجوه المسافرين ؟

إنها تُخبرنا بالكثير ،المطارات بطاقة تعريفية لمستوى المكان الذي تتجه له ،لثقافة شعب وتضاريس وطن ..

اما الحقائب ،يااااه إنها تصريح صارخ لعدد الرحلات الداخلية والخارجية التي خاضتها ،تستطيع معرفة ذلك من الملصقات التي يُحب البعض الإحتفاظ بها ،والكلمات المكتوبة عليها لأشخاص وأماكن قد مرت بها الحقيبة عبر المطارات ومحطات الحافلات والقطارات ..

كل شيء هنا يُخبرك عن شيء ..

أما الوجوه ..

آه توقف لحظة ..

الوجوه شيئًا مختلف !

خلال شهر توجهت لدبي ،كانت الوجوه التي تسافر معي على متنِ نفس الرحلة أكثر بشاشة وتألقًا وتأنقًا والحقائب خفيفة كروح من يحملها ..

تخرج من مطار مسقط الرحب تصعد الطائرة المتجهة إلى دبي تهبط في مطارها تستقبلك وجوه بشوشة تُرحب بك سائلة إياك عن رحلتك كيف كانت ..

تشعر أنك في وطنك ،ليس للأمر علاقة بالهوية ،اللغة والتضاريس ..

إنه أمرًا مختلف ،لا أجدُ له وصفًا الآن..

في طريقي لشيراز من مطار مسقط لمطار شيراز

تتأخر الطائرة ،تحاول جاهدًا أن تتحايل على الوقت ،تقرأ كتابًا ما ،تُقلب المواقع على هاتفك ..

تتصفح الوجوه المرافقة لك ..

حسنًا دعني اُخبرك عنها

إنها شاحبة

قلقة

وجله

ومثقلة بالمخاوف والهموم

تستطيع أن تعرف أي وجهٍ متجه للسياحة وأيها للعلاج

من ملابسهم تميز العربي ،الخليجي والفارسي ..

خطواتهم نحو الطائرة تُخبرك أي أفكار هي التي يحملها صاحبها على كتف روحه ،تُصارع نياط قلبه ..

ومن نظراتهم الساقطة على أرض المدرج خلف نافذة الطائرة تعرف أين وصلت أفكارهم الآن..

تستطيع أن تتنفس الخوف الممتزج بالروح الكئيبة ..

ضيق المقاعد بطاقة تعريفية عن بلد المنشأ وامكانياته..

تشعر بعدم الراحة ،المقاعد متلاصقة أكثر من اللازم، ضيقة وصغيرة ،لا تستطيع أن تحرك جسدك بسهولة أو تمد ساقيك كذلك ..

المطار صغير ،شاحب والوجوه عابسة لا تُجيد الإبتسام حتى مع مبادرتك بالإبتسام لهم.

لست أدري متى سأتوقف عن فكرة تجربة كل الأشياء التي تخص البلد الذي اتجه له بدءًا بالمواصلات حتى الطعام وأحيانًا لباسهم التقليدي ..

إنه هذه العادة التي أتخذها تضعني في صدمات ومواقف دائمة ،لكني أقول لنفسي لا بأس  من الجيد أن أجرب كيف تمر الحياة هنا..

ثمة فرق شاسع يُشعرك بالضيق بين أن تكون في بلدٍ يمكنك أن تتحدث فيها أي لغة تُجيدها وبين بلدٍ ترفض أن تتحدث إليك بغيرِ لغتها لتُجبرك على الاستعانة بمترجمٍ يتحدث لغتك حتى تُنهي أمورك ..

في دبي ترى كل الجنسيات وتسمع مختلف اللهجات واللغات ، الحياة تمشي بوتيرة سريعة ،السلع متفاوتة الأسعار والمنشأ ..

هنا أغلب السلع محلية الصنع ، تتفاوت اسعارها حسب درجة جودتها ، الأغذية هنا رخيصة بشكل لا يُصدق ،اللحوم كذلك ، لكن لا أسماك هنا لبعد شيراز عن البحر ..

تستطيع أن تمشي هنا لساعات، قد يوقفك أحد الشحاذين فعليك الحذر ،إن تعاطفت مع أول شخص ستتفاجئ بالسيل العرم الذي سيتدفق نحوك طوال اليوم..

الصباحات عكس صباحاتنا ، ضبابية ،باردة

الشوارع مكتظة صباحًا بالحافلات ، السيارات والبشر

قانون السير هنا لا وجود له ،عليك أن تكون حذرًا على خطواتك ،ولا أنصحك هنا بقيادة السيارة فالوضع كارثي هنا تمامًا كالقاهرة وطنجة ..

النظافة شبيهة بنظافة بلداننا..

ترى كبار السن يكنسون الشوارع ،الطرقات والأزقة..

والأطفال يبيعون الورد ،المناديل وأشياء لم أتعرف عليها ..

وحتى تستطيع أن تتجول دون أن تتعرض لمضايقة الشحاذين عليك أن تلبس مثلهم وتتجنب عرض هويتك بملبسك..

يصعب مع مرور الوقت أن تبتسم ،الوجوه عفرها الوضع الاقتصادي والحياة الغالية بالنسبة للسكان ..

ستجد الحياة رخيصة هنا وهم سيخبرونك كيف أن الحياة مكلفة ..

استئجار الشقق هنا لا يعتمد على من استأجر وإنما بعدد الأشخاص الذين سيمكثون بها ، كل شخص بثلاثةِ ريالات لليلة ..

تشعر بغضبٍ دفين لدى بعضهم منا كخليجيين تمامًا كما يحدث في طنجة والقاهرة ..

يعترف لك بعضهم أن العمل في الخليج كورقة اليانصيب ..

يحاول المترجم ومن أجل سمعته كمترجم أن يحميك من عمليات النصب التي قد تتعرض لها من قبل التجار والأطباء ..

ينصحك بعدم التحدث بلغتك ، الوضع شبيه بما حدث لي في القاهرة وطنجة حين نصحني صديقي ابانوب في القاهرة بعدم التحدث مع الباعة أو اصحاب السيارات ،وكما حدث في طنجة حين اضطررنا التحدث باللغة الإنجليزية حتى يتم التعامل معنا بإنصاف أثناء تسوقنا كوننا من دول آسيا..

عليك أن تعلم أنك ورقة يانصيب رابحة في أي بلدٍ غير خليجي ..

ورغم كل هذا ستجد نفسك تفكر في تكرار زيارتك لهذه البلدان مرات عدة ..

الحقيقة أنك ستُصاب بعشق بعض المدن ..

تماما كعشقي لـ دبي ،طنجة ،امستردام وروما ..

بعض المدن رغم كل شيء تُصاب بمسٍ من العشقِ منها..

بعض المدن تجعلك تتعرف على جانبٍ خفيٍ بك،لذلك تجد نفسك في احدى مراحل العشق معها ..

هل صادف وأن عشقت مدينةً ما ؟

18 / ديسمبر/ 2020 م