د.أمينة بنت راشد الراسبية تكتب: قابوس.. الفكر الخالد

   د.أمينة بنت راشد الراسبية

  المتتبع لفكر السلطان قابوس – طيب الله ثراه –  من خلال خطاباته  المتزامنة مع الأحداث يجد فيها شعاعا تستضيء به النفوس من عتمة الجهل ودامس الليالي، وملاذا آمنا تستريح به القلوب من الخوف من المستقبل المجهول في ظل التداعيات والأزمات العالمية والمحلية ، والمتأمل لخطاباته يعي تماما أن ترسيخ المواطنة يكمن في القلوب قبل العقول وكل خطاباته – رحمه الله – تستنهض الإنسان العماني إلى الهوية والمجد والأصالة .

     “الوطن في النهاية هو الحياة ، والمواطنة مسؤولية ” مقولة من أقوال السلطان الراحل السلطان قابوس –  طيب الله ثراه – لنستدل بها على عمق توجهاته واهتماماته التي كانت دوما تنصب لصالح وخدمة عمان وأبناء عمان ولنهضتها ورفعة شأنها ، فقد نظر – رحمه الله – للمواطن نظرة شاملة متكاملة ركز فيها على كل العوامل الداخلية والخارجية لبناء التنمية الشاملة للوطن والمواطن.

النظام الذي اعتمده السلطان الراحل – طيب الله ثراه – والنهج الذي سار عليه  ؛ أكسبه محبة القلوب التي لا يغيرها زمن أو حدث ؛ لذا لم يكن من الغريب أن يردد كل عماني على هذه الأرض الطيبة  تلك الكلمات النابضة  بحب عمان ، وإن اختلفت شكلا وظاهرا ولفظا ، لكنها اتحدت معنى ومضمونا ، وسنظل ماحيينا نهتف باسم عمان أينما كنا وسرنا.

فعمان ذلك النسيج الذي غزل بروح التسامح وخيوط السلام وطلي بدهان المحبة والوئام حتى أصبح الوطن المحب لكل شرائحه ، فمنذ بزوغ النهضة المباركة بقيادة زعيمها الراحل جسدا والمخلد سيرة وذكرا ، والذي دأب منذ توليه الحكم إلى مزج المواطنة السمحة بين كافة أطياف الشعب العماني من أقصى جبال مسندم الشموخ إلى أعالي جبال ظفار العز.

عمان قابوس وقابوس عمان هذه المسميات لطالما رددناها وكتبناها منذ نعومة أظفارنا على أسطر صفحات دفاترنا وعلى رمال شواطىء بلادنا الناعمة ؛ ولهذا كله دلالة كبيرة على الارتباط الوثيق لعمان بصانع منجزاتها وباني نهضتها وإدراك الشعب لهذا الارتباط الذي بسببه لا يستطيع عقل أن يرفض ولا لسان أن ينكر ، ارتبط الاسم بباني نهضة عمان ، الفكر السامي، الرؤية الثاقبة ، الرسالة الخالدة ، البصر والبصيرة ، الحكمة السديدة ، كل هذه السمات جعلت القلوب تهفت  له والآذان ترنو له فأحيا بداخلنا افرحا وبهجة ، معلنا نشر راية السلام التي ترفرف كل أرجاء عمان وتعانق المجد والفخر في أعالي السماء.

فبتوليه العهد في الثالث والعشرين من يوليو المجيد لعام ألف وتسعمائة وسبعين أطل نور جديد على عمان وبزغ فجر مشرق بنور الإيمان  بدد كل جهل وأزاح كل ظلام  ، خمسون عاما للنهضة المباركة ، ما أنجز فيها وما تحقق يعجز اللسان عن سرده والكتب عن حصره ، فما نعبر عنه من مكنونات الشعور تجاه هذا القائد  والذي لم ولن ننساه ؛ فسيرته وحياته وتضحياته لاتدع لأي كان مجالا للنسيان وستظل بطولاته وإنجازاته محفورة في ذاكرة  الزمان ، مهما تتالت وتعاقبت السنون.

اعتبر الإنسان أساس التنمية ؛ فوضع أسسا للهوية العمانية وضوابطا للالتزام بها وحذر من الانسلاخ من الهوية  التي هي مفتاح خارطة الطريق لكل عماني على وجه هذه الأرض ، فلم يعزل  – رحمه الله –  عمان عن الحضارات وعن دول العالم ، بل وجهنا أن نستخلص منها ما يتوافق مع ديننا وقيمنا ومالا يتعارض مع ثقافة وطبيعة المجتمع العماني وقد ضمن هذا في خطابه في 16-11-1993 حيث قال – رحمه الله -:”لذلك كان لزاما أن نتمسك دائما وأبدا بما هو مناسب لمجتمعنا وبيئتنا وظروف الحياة في بلادنا ، فيجب ألا يسمح بالتقليد غير الواعي بأن يعيق تقدم بلدنا ويؤثر سلبا على تراثه الخالد ، إن الأمل معقود عليكم ، أنتم الشباب ، أن تكونوا المثال الحي الذي يجسد التناسق والتوافق بين معطيات الحاضر وقيم الماضي العريق”.

ولأهمية التربية المواطنية في التعليم ؛ فقد تم إصدار أول وثيقة لفلسفة التعليم في السلطنة عام 1978 كاستجابة للمستجدات في قطاع التعليم وحدثت الوثيقة في 2003 و 2009 وقد تم تطوير الوثيقة بإعادة صياغة مبادئها الأساسية من قبل مجلس التعليم وتغيير مسمى الفلسفة من فلسفة التربية إلى فلسفة التعليم على أن تشكل جميع مراحل التعليم وأنواعه ومساراته ، وقد استمدت هذه الفلسفة مصادرها الأساسية من عشر مصادر وهي: الدين الإسلامي ، الفكر السامي ، النظام الأساسي للدولة ، الحضارة العمانية ، المجتمع العماني (خصائصه واحتياجاته وطموحه) ، الرؤية المستقبلية للدولة ، الفكر التربوي المعاصر ، خصائص المتعلم ، العهود والمواثيق الدولية ، القضايا العالمية المعاصرة . (فلسفة التعليم في سلطنة عمان ، مجلس التعليم ، 2017).

المواطنة هي الإطار القانوني والوجداني الذي جمع العمانيين تحت راية سلطة شرعية وفي وطن واحد ، نظر السلطان قابوس إلى العمانيين كمواطنين وليس كرعايا ولذلك خاطبهم منذ اليوم الأول بود واحترام ، شعبنا العزيز ، أيها المواطنون الكرام ، أيها الأخوة المواطنون ، يا أبناء عمان الحبيبة، عرف السلطان – رحمه الله – الوطن بالإنسان حيث جاء في إحدى مقابلاته :”الوطن ليس نفطا وثروات معدنية ، بل هو قبل أي شيء آخر الإنسان ، وما يملكه من تراث وفكر وقدرة على الإنتاج والبناء والتقدم” ، وهذا ما تم الإشارة إليه في موقع وزارة الإعلام 1987م والذي ذكر في “التربية المواطنية في فكر السلطان قابوس ” للدكتور نمر فريحة.

سار السلطان قابوس – رحمه الله – بخطى واثقة وقوية نحو التقدم والتطور لأنه اعتمد على ركائز وأسس متينة ، فكانت توجيهاته كالشمس الساطعة  والتي لا يستطيع كائن من كان أن يحجب أشعتها ونورها ، تشربنا منه القيم تسامحا ومحبة وإخلاصا ، ولاء وانتماء ووفاء ، حب عمان لم تكن شعارات زائفة أو مجرد كلمات تكتب وتقال ، فالمواطنة انتماء وحب بالفعل قبل القول ، كان قدوتنا الحسنة و الأنموذج الذي نحتذي به والذي نسير على نهجه وسيظل كذلك ، فالعهد السعيد جاء ليدعم ما أرساه سلطاننا الراحل خلال سنوات كفاحه ، لا لن نميل ولن نحيد عن كل ما جعل عمان منارة علم ومعرفة ، ومقصد صلح وسلام ، فليس من الغريب أن تكون العلاقات طيبة بين العمانيين وبعضهم البعض قائمة على التسامح والإخاء والمودة والصفاء منذ قديم الأزل ؛ لأنها انبثقت من  القرآن الكريم وسنة النبي الكريم  وفكر السلطان وقناعة العمانيين وتمسكهم بعادات وتقاليد الأجداد وحافظوا على هويتهم العمانية الأصيلة وموروثاتهم التاريخية العريقة وعلى الجسور الممتدة في علاقات السلطنة بالدول الأخرى.

اهتم السلطان قابوس – طيب الله ثراه – بالتراث والثقافة والتاريخ فأصبحت عمان خالدة خلود تاريخها التليد وأمجادها العريقة بتعاقب الحضارات ، فالقلاع والحصون والأبراج والمتاحف والآثار شاهد أكيد على عراقة التاريخ ، فالشواهد باقية والفنون العمانية وثقت وسجلت على مستوى العالم لنزداد فخرا بتفرد عمان  على مر العصور والأزمان ، وفي مجال العمل  فقد سخر كل الموارد والإمكانات لتهيئة وصول الخدمات ، وعمل على تمكين القدرات الوطنية ؛ حرصا على استمرار الإبداع واهتم بالابتكار فدعم  برامج التكنولوجيا والاتصالات والتعلم الذاتي كمهارات أساسية للقرن الحادي والعشرين ، واهتم  بتسخير قطاعي النفط والغاز بالإضافة للموارد الأخرى  في كل القطاعات والمؤسسات الحكومية والخاصة.

عمان في مصاف الدول المتقدمة هي رؤية مستقبلية لـ 2040،  بدأ في عهده الإعداد والاستعداد لها ولمحاورها الثلاثة التي تجلت في: الإنسان والمجتمع- الحوكمة  والأداء المؤسسي– الاقتصاد والتنمية- البيئة المستدامة وستواصل عمان العمل وبذل الجهد لتحقيق هذه الرؤية المستقبلية بخططها وسياستها وإطارها العام وبرامجها التي تكفل تحقيق الأمن والاستقرار والرفاه والرخاء لأبناء عمان ، ما تحقق في عهده على أرض عمان الطيبة لا يحتاج لشرح ولا إثبات ؛ فالإنجازات تدل على حجم الجهود والمسؤوليات والأمانة والتضحيات ، فجعل هدفه عمان وجعلها الأساس ، وحفظها من التمزق والشتات والهزيمة والضياع ، فانتصرت عمان وارتفعت رايتها خفاقة تناطح السحاب وتقول للعالم كله بفخر واعتزاز : أنا عمان المحبة والسلام ، ما حدث على أرض عمان منذ كانت قبل السبعينات وكيف أصبحت يعد علامة فارقة  في تاريخ الدول فما أنجز شبيه  بالمعجزات بحسب الفترة والعقبات والتحديات ، لذلك ليس بغريب أن تكون عمان الوجهة المطلوبة والمقصد لجلسات الحوار والسلام ، وقد كرم – رحمه الله – كأول قائد تم منحه جائزة السلام الدولية في واشنطن 16-10-1998.

عهد قابوس لن يتقادم فعلى نفس النهج نسير بقيادة سلطاننا المفدى السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – فهو من جعل خريطة عمان يشار إليها بالبنان في مشارق الأرض ومغاربها ، فقد صنع مجدا لامثيل له وأنجز وعدا هو أهل له ، وسار في مسيرة البناء شامخا فقد شمر عن ساعد الجد والبذل والجهد والعمل ، وبذل الغالي والنفيس لتبق عمان حرة أبية شامخة شموخ الجبال وعالية علو السماء وبيضاء كحمامة السلام.

لذا ليس بغريب أن تنهمر دموعنا بكاء في حياته عندما نراه وليس بغريب الآن أن نبكي بحرقة لفقده لكنه سيظل حاضرا بأرواحنا وقلوبنا بفكرنا وأذهاننا ، ولن ننسى من جعل عمان درة الأكوان ، ومن اختار لنا أفضل سلطان ، متوسد فيه أفضل السمات  ونحن نراه كما رآه ، فقد أثبت لنا صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – أنه على نفس النهج يمضي ، وعلى نفس الخطى يسير، فلتلهج  ألسنتنا بالشكر والتضرع بالدعاء أن يرحم السلطان قابوس ويعين السلطان هيثم على هذه الأمانة ومسؤولية هذا الوطن ، ولنثبت حبنا لعمان بالفعل، ولنقم بواجبنا تجاه إدارة الأزمات والتحديات بمختلف أنواعها ومسبباتها لنكون العون والسند لعمان.