د. علي بن راشد المديلوي يكتب : إضاءات مشرقة للحضور العماني في المنطقة قديمًا

د. علي بن راشد المديلوي

باحث في قضايا الآثار والتاريخ القديم

إن التاريخ في عرف الأمم وماسطره في غابر الأزمنة هو المحرك الرئيس والقوة الدافعة لتحريك همم الأجيال وتحفيز عزائم الرجال وغرس شعور العظمة والفخار بين أفراد المجتمع. وهو الدافع الذي يذكي تطلعات الشباب وإرادة الشعوب للانطلاق نحو آفاق رحبة وفضاءات واسعة وعوالم مترعة بآمال وتطلعات واعدة، ومشاعر غنى تهفو بتاثير النفوس نحو سوامق المجد وغايات العلو والارتقاء. فعمان كانت ولم تزل تنشر النور والضياء، وتفاخر الحاضر بماضي يتلالىء زهوا وعطاءاً. وحبوراً ونماءاً. وعمان وهي تحتفل بعيدها الخمسين لابد لنا من وقفة نسبر من خلالها تاريخها التليد وماضيها المشرق.
سنتحدث من خلال هذه الوقفة عن تاريخ نفاخر به الامم, ونباهي به البلدان. ويحق لنا ذلك فتاريخ عمان القديم يزهو بثقل الإنجاز وتراكم الخبرات وفيض العطاءات وموفور الخيرات.

نتحدث عن ذلك التاريخ ونحن نحتفل بعيدنا الوطني الخمسين. ولعلها مناسبة سعيدة ان نعيد فيها الأهمية التاريخية لبلادنا، ونسترجع فيها فصول منسية من التوهج والازدهار والعطاء الحضاري الذي ساهمت فيه عمان خلال حقب التاريخ المختلفة.

نسترجع هذا التاريخ وفي هذه المناسبة الوطنية السعيدة ليكون لنا عونا وآملا وضياءاً ونورا ونبراسا نسترشد من خلاله سيرة التاريخ المضيء ونجاح التجارب الملهمة وتحقق المكتسبات الرائدة، والرقي المتسارع على مسرح الأحداث في المنطقة. حضوراً طاغياً لافتاً ومؤثراً، أكتسبته عمان من منطلقات وثوابت شتى عززت من خلاله مكانتها الحضارية والتجارية، ونافست وسابقت به امم المنطقة وشعوب العالم القديم أجمع.
فقد احتلت منذ القدم موقعاً جغرافياً وسطياً مميزا, هذا الموقع أتاح لها أن تصبح حلقة الوصل بين ملتقى طرق تجارية بحرية وبرية عدة بين الشمال والجنوب, وبين الشرق والغرب. وبالتالي أصبح سكانها شركاء ووسطاء في هذه التجارة التي تصل إليهم من مراكز الحضارة المجاورة.

لقد لعبت العلاقات التجارية الدور الرئيس في نهوض مدنيات العالم القديم، وإرساء دعائمها وتمكينها من أداء رسالتها الحضارية عبر انتظامها في شبكة تجارية إقليمية دعمت مراكز الحضارة القديمة في الشرق الأدنى القديم. وتشير الدراسات التاريخية، إضافة إلى نتائج الحفريات الأثرية التي اكتشفت في عمان وفي المنطقة، إلى إتساع شبكة التجارة في منطقة الشرق الأدنى خلال فترة الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. ولذلك حظيت المراكز الحضارية التي تشرف على هذه الطرق بدور رئيس في التأثير على توجهات السوق التجارية، وغدت هذه المراكز (كمجان) – وهو الاسم الذي أطلق عليها خلال فترة الألف الثالث والثاني قبل الميلاد- ودلمون في منطقة الخليج العربي تلعب دور الوسيط التجاري بين الشرق والغرب. تلك المكانة التجارية التي وهبها الله عز وجل لهذه الارض الطيبة المباركة، فقد حباها الله بموقع فريد قلما وجد لبلاد مثلها، وموانيء طبيعية مهمة قادرة على جذب التجارة الدولية، ناهيك عن توفر كل مقومات التجارة من مواد خام وفيرة متنوعة، وهو ماساعد كثيرا أن تبرز هذه الموانيء وأن تقوم بدورها خير قيام.

نسترجع هذا التاريخ خلال هذه المناسبة السعيدة ليكون لنا عونا وسندا. نسترجعه لكي نسلط الضوء على تاريخ حافل بالمنجزات التجارية التي جذبتها هذه الموانيء وتلك الهبات الربانية التي حبا الله بها هذا البلد. نستذكره ليكون أملا ينعش ذاكرة من يتولى مسؤولية هذه المنافذ الحيوية التي نآمل من خلالها ان تعود الى عصرها الذهبيـ وأن تلعب ذلك الدور الحيوي والرائد الذي كانت عليها، فقد قادت وتزعمت دول المنطقة قديما من خلال شبكة معقدة من التجارات المتنوعة والعلاقات الاقتصادية المتطورة وكانت هذه الموانيء جواهر رصعت ماضي هذه الارض الطيبة، وخزائن تكاثرت فيها الخيرات والنعم.


لقد كانت عمان قديما محطة تجارية مهمة كما ذكرت وثائق وكتابات بلاد الرافدين المسمارية تستقبل سلع الجنوب الممثلة بمراكز وادي السند كملوخا، وما جاورها كأفغانستان، ومراكز وادي السند الأخرى في الهند وباكستان، والغنية بمواردها الطبيعية، كالأحجار الكريمة مثل العقيق الأحمر والأبيض، وخشب الورد، والعاج، وخشب المنغروف المسمى بالسومرية قص-أب-با/gis-ab-ba أي قصب البحر أو القصب الكبير الحجم. والحيوانات الهندية النادرة والطيور النادرة مثل الطواويس، والحمير، والديوك الصغيرة والثيران، والذهب والفضة والعاج والعقيق، والطيور والأخشاب والقصدير والرخام وغيرها من المنتجات التي تحتاجها جل المراكز الحضارية المجاورة آنذاك. وغيرها من المواد الخام والسلع الهامة التي تنتجها, إضافة إلى البضائع والسلع التي تصلها من المناطق البعيدة في جبال آسيا الوسطى ومرتفعات بلوخستان. وكانت هذه المواد الخام والبضائع والسلع إلى جانب سلعها وبضائعها المميزة، تجد أسواق ومنافذ عدة في مراكز الشمال الحضارية، كبلاد الرافدين، وبلاد الشام، ووادي النيل وبلاد الأناضول وآسيا الصغرى.

وخلال هذه الفترة أخذت مجان زمام المبادرة في تجارة المنطقة كمركز تجاري يتاجر وينقل معظم السلع والبضائع التي ينتجها، وتلك التي يستوردها من الشمال، أو السلع والبضائع التي ترد من الجنوب من خلال خطوط التجارة البحرية الموصلة من مجان إلى شبه القارة الهندية. ولم تقتصر التجارة البحرية خلال تلك الفترة على البضائع والسلع الهندية فقط، بل نجد أن العمق الجغرافي الهندي كان ينقل إلى مجان سلعا أخرى من جبال آسيا الوسطى، ومرتفعات أفغانستان، وبلوخستان، وتضم هذه السلع حجر اللازورد، والفيروز والذهب، والفضة، والنحاس، والقصدير من أفغانستان، ووادي زوفشان.

وهو دليل أخر على أن الطريق التجاري البحري بين رأس الجنز ورأس الحد في مجان، وكوجرات على الساحل الهندي، أصبح خلال تلك الفترة ممرا حيويا يستخدم لنقل البضائع والسلع النادرة والثمينة، والأحجار الكريمة، والمعادن التي عرفها الشرق الأدنى القديم.

خلال تلك الفترة نجد أن مجان ظهرت بروابطها التجارية القوية مع بلاد الرافدين، حيث نجد أن القصر كان شريكا مباشرا في تجارة مجان، وكانت السفن تنطلق مباشرة من مجان إلى أور مركز بلاد الرافدين التجاري في ذلك الوقت. وكان تجارا أمثال لو- انليلا يقومون بعقد الصفقات مباشرة مع تجار مجان.

وخلال تلك الفترات ترد عدة نصوص تفصح عن مدى الاتساع والسيطرة التجارية لمجان, إلا إننا لا نعلم حتى الآن إلى أي مدى بلغت سيطرتها في المنطقة، جغرافيا وسياسيا واقتصاديا. هذه النصوص وردت خلال فترة أور الثالثة، احدها يعود إلى عهد الملك شوسين 2037-2029ق.م، ويبدو النص وكأنه يعدد المناطق المحيطة بإمبراطورية أور الثالثة، وينتهي بالقول “بلاد سأبور على شواطيء البحر الأعلى، ومجان مع كل مقاطعاتها… على الجانب الأخر من البحر”. وهناك رسالتان تعودان إلى السنة الرابعة من حكم الملك أبي- سين 2028-2006ق.م، تشيران إلى الخليج العربي عرف في تلك الفترة باسم بحر مجان لا باسم البحر الأسفل كما كان شائعا من قبل في نصوص ووثائق بلاد الرافدين.

فهنيئا لعمان ذلك التاريخ المضيء وذلك الآلق الضافي. وذلك المنجز الحضاري الذي سطرته بين الامم.