وفاء بنت سالم تكتب: يوميات لا تهم أحدًا(32)..أرينوس

وفاء بنت سالم

أحتاج فاصل كبير وطويل، فاصل ينتزع الغبار الذي تراكم في..(و.س)/(أرينوس)

عزيزي

ما الذي يصنعه النضج والحذر بنا؟
نصير معها أكثر رتابةً وملل..قد نتعفن معها لو استمرت بنا أكثر ، كل الأحداث الأخيرة صارت مستنسخة ، تمضي بنا نحو ركود داخلي ..
لقد عقدت صداقة جديدة مؤخرًا ولكن ليست مع خيالك ولا الذاكرة المكتضة بل مع أرينوس،أنه حصان إنجليزي يبلغ الثامنة من عمره ، سواده يذكرني بك ، عناده ومحاولته الدائمة في جعلي اركز في نوبات الغرور التي تصيبه ..
لقد بدأت عصر كل يوم أقضي بصحبته نصف ساعة،أتحدث إليه اطعمه بعض التمر والجزر وامشط له شعره..
ثمة فرح فرد جناحيه في كحمامة،رفرف نحوي كفراشة..
ثم ما أن يبدأ بوضع رأسه على كتفي أو الرغبة باللعب أهرب منه نحو المساحات الرملية الشاسعة ،لأختبئ بعدها بالسير في طريق مستطيل تحفه الأشجار المثمرة يمنة ويسره ،وأصوات العصافير تعانق المدى ..
أظل أسير بخطى سريعة علني أخفف من اتساع الثقب الذي يحدث كل ليلة،لطالما أخبرتك كيف ان الأصوات التي كانت توقظني قد تطورت معي ،إنها تترك أثرها في ،تارة في وجهي وتارة في أماكن غير مرئية ..
لقد حاولت مصاحبتها لكنها تضحك بصوت عالٍ وتختفي ..
هل شاخت روحي يا عزيزي ؟
ما عدت استطيع مسك الفرشاة ولا حتى أقلام الرصاص لأرسم،ولا عدت أجد الكلمات تسقط على ركني هنا لأكتب ..
حتى معدتي قد خذلتني ،فهي الأخرى ما عادت تحتفظ بالطعام بها ،وكأنها تريد أن تعيق صبري ،إنها الآن أشبه بالخفافيش التي تعشعش في أماكن مهجورة ..
لقد أخبرت ارينوس كيف أن العقل البشري أكثر كآبة مما يبدو عليه ،وكيف يطئنا الزمن تاركًا ايانا باهتين ..
ترى هل شعر بي حينها ،حين حط برأسه فجأة على كتفي ..
الآن وبينما أكتب لك اُحدق في كف يدي اليمنى ،في تعرجاتها الظاهرة واتخيل لو أنها بلا ذاكرة ،لو أن كل جزء في جسدي هذا بلا ذاكرة حقًا ،لو اني ضبابية مع نفسي ،بيضاء بلون القطن الملتف حول بذوره السوداء ..
اتعلم ،افتقد رسائلك التي تكتبها ،تلك المعنونة لصديقك الغائب أو خيالك الميت ولنصائحك التي لطالما قلت لي :يومًا ما ستعلمين عن ماذا أتحدث ..
لقد افرطت في النضج ،في الشعور والإدراك المبكر لكل شيء ..
حتى صرت اشعرني لا أنتمي لهذا العالم ،ولا التكيف مع البشر من حولي ..
هل أحتاج لطبيب نفسي ؟
ربما ،وربما أحتاج الاعتزال من ممارسة الحياة بهذا الروتين القاتل ..
ترى هل ما يحدث امرًا طبيعي؟
ليتني أمتلك جزءًا من شخصيتك أو طبعك اللاشعوري ..
سأتوقف الآن عن الكتابة ،بدأ الجو يزداد برودة في الساحة الأمامية للمنزل وبدأت أشعر بالحاجة لكوب شاي أخضر ..