بدر بن سالم العبري يكتب: الرسول الإنسان في القرآن


بدر بن سالم العبريّ

في البداية أشكر المركز الإسلامي في باريس بفرنسا على إتاحة الفرصة، وأهنئكم بهذه المناسبة الكريمة على كلّ مسلم ومسلمة، بل على البشريّة جمعاء، إذ يهلّ علينا أول الرّبيعين، وفيه نفحات ذكرى ميلاد سيّد الثّقلين، المبعوث رحمة للعالمين، كما أنّ ميلاد الرّسول الأكرم يمر علينا هذا العام بما حدث ويحدث على مرّ التّأريخ من محاولة الإساءة إلى جناب النّبيّ الأكرم، وهو طبيعيّ خلّد بعضه القرآن ذاته، فتارة تأتي الإساءة ممّن لا يؤمنون به، وتارات ممّن يدّعي الانتساب إلى دينه، بنسبة ما يسئ إليه، وعدم مراجعة ما نسب إليه، إلا أنّ المخلصين من أبناء المجتمع الإنساني شرقا وغربا يعرفون قدر المخلصين من الأنبياء والفلاسفة والعلماء والمخترعين وغيرهم، ممّن قدّموا خدمات جليلة للإنسانيّة، وساهموا في إصلاح الأرض وإعمارها، وتسخير ما بها من سنن كونيّة وطبيعيّة بشريّة في خدمة المجموع الإنسانيّ، ولولا سعي من تقدّم لما وصل المتأخرون إلى ما وصلنا إليه من خير إنسانيّ واجتماعيّ وتكلنوجيّ في بناء الإنسان، كما أنّ المخلصين في الأرض وهم كثر أصبحوا يدركون معنى الحريّة الفردانيّة، وعلى رأسها حريّة الفرد في إيمانه وتدينه وطقوسه، مع احترام رموزه ومقدّساته.
ونحن لمّا نتحدّث عن الأنبياء والفلاسفة والعلماء وغيرهم من المخلصين ممّن ساهموا في بناء البشريّة نجد رسولنا الأكرم – صلّى الله عليه وسلّم – في مقدّمة هؤلاء بلا تعصّب، فنحن ندرك الكمّ الهائل من الإساءة إليه في كتب التّراث، ولمّا تراجع المسلمون عن نقد ذاتهم، واشتغلوا بخلق الصّراع والفرقة فيما بينهم؛ خرج ما في هذه القصّاصات الصّفراء، عن طريق بعض المستشرقين واللّاهوتيين من غيرهم، فصوّروا الرّسول الأكرم بما انتحله الوضاعون، وأساء إليه المحبّون، كما أنّ تصرفات بعض الجماعات المسلمة اليوم، وإساءة بعض المسلمين إلى رسولهم ودينهم، جعل الآخرين ينظرون إليهم نظرة مشوهة، ويكتبون عنهم بصورة سيئة.


ومع هذا العقل الإنسانيّ المنصف، يدرك أنّ هذا طبيعيّ بين البشر، فلا يخص دينا دون دين، ولا رسولا على آخر، فهناك الدّين كما نزل، وهناك زيادات التّأريخ بحسناته وسيئاته، فلا ينسب الآخر إلى الأول، وإنّما يوضع في حدّه الطبيعيّ والظّرفي، فما يتقبله المتقدّمون حسب بيئتهم قد يرفضه المتأخرون، ليس لسبب الخلل في الأول، ولكن لطبيعة التّطور في المجتمع الإنساني.


وكما أنّ هناك الدّين هناك التّدين، ولهذا درجات، منهم المتشدد المغالي، ومنهم المعتدل المحسن، والآخرون أكثر، إلا أنّ الصّوت أحيانا يكون للأول أكبر، وقد تدعمه بعض السّياسات لجلب منافع دونيّة، كما حدث في داعش وبوكو حرام وغيرها.


فالانحراف في التّدين والسّلوكيات ليس سببه بالشّريطة وجود خلل في الدّين في أصله لا في زيادات التّاريخ، وهذا لم تسلم منه أمّة من الأمم، ورأيناه اليوم ما يمارسه التّدين الهندوسي ضدّ المسلمين في الهند، والبوذي ضدّ مسلمي بورما، وما يمارسه التّدين الصّهيوني باسم اليهوديّة في فلسطين، وما حدث من الجماعات المتدينة والمتطرفة داخل الخطّ المسيحي، بل حتى خارج الأديان السّماويّة، سنجد تصرفات سلبيّة داخل من ينتسب إلى الشّيوعيّة والعلمانيّة والحركات اليساريّة التّحررية، واللّبرالية، ولكن تقرأ في أطرها الضّيق، دون الإساءة إلى الأصل ورموزه.


ونحن لمّا نأتي إلى النّبيّ الأكرم – صلّى الله عليه وسلّم – نجده ذلك الإنسان قبل أن يكون ذلك الرّسول، وقد جسّد ذلك القرآن من خلال قوله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان/ 7]، وقوله: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الأسراء/ 93].


ويجمل القرآن الكريم رسالة هذا الرّسول الأكرم في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء/ 107]، فهو رسول الرّحمة، رحمة بالإنسان، ورحمة بالحيوان والجماد، يسبُ ويبتسم، ويُقاتل فيعفوا، ويخفض جناحه للفقير والصّغير، والضّعيف والكبير، من رحمته الإنسانيّة أعطى النّاس حرّية العبادة، فلكلّ معبوده، وله حرّية في ممارسة طقوسه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس/ 99].


ومن رحمته أعطى الجميع حرّية التوسل والتّوجه إلى معبوداتهم، ونهى عن سّبها وشتمها، فضلا عن الاستخفاف والاستهزاء بها: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام/ 108]، واعتبر دور العبادة من كنائس ومعابد وصوامع وأديرة وكنس جميعها آمنة ولو في حالة الحرب، ومن دخلها كان آمنا، ولا يجوز اغتصابها من أهلها، ومنعهم عن ممارسة الطّقوس فيها، واعتبر كهنتها وأحبارها ورموزها دعاة سلام ومحبّة، لهم احترامهم ومكانتهم كباقي البشر لحرمة الّذات الإنسانيّة الواحدة، فيجمل هذا بقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج/ 40].


ومن رحمته – عليه السّلام – نهى عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالّتي هي أحسن، مع احترام كتبهم المقدّسة، وتصوراتهم اللّاهوتيّة، فالجميع يعبد ربّا واحدا، وإن اختلفوا في تفسيراتهم وتأويلاتهم، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت/ 46].


وفي المجتمع الإنسانيّ الكبير، بمؤمنهم على اختلاف الأديان، وغير مؤمنهم على اختلاف الأجناس، كان من رحمته: {وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة/ 83]، واعتبر أفضل البشر ليس نسبهم ولونهم وجنسهم بل أتقاهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات/ 13]، ونهى عن تزكية النّفس باسم الجنس أو الدّين أو المذهب {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النّجم/ 32]، وجعل الكل سواء يوم القيامة في ميزان الله العدل: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر/ 43]، وأن الآخرة بيد الله، فلا يجوز مشاركة الله في حكمه بالجنّة أو النّار، {وأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْه الْمَصِيرُ} [الشّورى/ 15]، وأنّه على المجتمع البشري جميعا بلا تفريق أن يتعاونوا في بناء الأرض، وتحقيق العدل، ورفع الظّلم والعدوان، ونشر السّلام والمحبّة {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة/ 2].


ومن رحمته أعطى المرأة مكانتها واستقلالها الماليّ والإنسانيّ، وأخرج الأمّة العربيّة المتصارعة، والشّعوب المتقاتلة إلى أمّة واحدة متآلفة، يجمعها ذات الإنسان وأصله، فختم حياته بقوله في حجّة الوداع: “أيّها النّاس إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، كلّكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربيّ على عجمي فضل إلا بالتّقوى”، وقال: “أيّها النّاس، إنّ دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا”.
ولو تحدّثنا عن الرّسول الإنسان في القرآن فقط؛ لطال بنا المقام، إلا أنّه نختم كلمتنا ونحن في هذا الشّهر الكريم، حيث نحتفل بمولده – عليه الصّلاة والسّلام -، أن نتذكر الرّسول الإنسان، الّذي اقترب من ماهيّة الإنسان وأنسنته، فحري بنان أن نقترب كذلك من الأنسنة، حيث في جملتها تقوم على أسس: إقرار التّعدديّة الدّينيّة والمذهبيّة والفكريّة والعرقيّة والأثنيّة في المجتمع، ثمّ حقوق الفرد الذّاتيّة وكرامته الإنسانيّة، وتحقيق الحدّ المعيشيّ الحافظ لكرامته ومكانته في المجتمع، ثمّ أنسنة القانون، بحيث يكون حافظا لكرامة الفرد الإنسانيّة، ومن جهة أخرى محققا للعدل والاستقلاليّة، ثمّ أنسنة مؤسسات الدّولة، بحيث تبنى على الكفاءة الذّاتيّة للبشر، لا على أساس التّوجه الدّينيّ أو المذهبيّ أو القبليّ أو المناطقيّ، فأنسنة المؤسسات أكبر وسيلة لاستقرار الدّول وتطورها ورقيها ونمائها، ثمّ تحقيق العدالة الاجتماعيّة والمساواة في الحقوق الفرديّة بناء على القيمة الذّاتيّة للفرد، وأخيرا التّعاون في تحديث الدّول وأنظمتها ودستورها وهيكلها بما يعزز القيمة الإنسانيّة في المجتمع، ويحافظ على الحريات والحقوق الذّاتية للمجتمع ومواطنيه ومن يقيم فيه.
فعلينا أن نخرج من ضيق الذّات إلى فضاء الإنسان، وأن يكون ما يحدث من إساءات للنّبي الأكرم يسعنا فيها: {ِإنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر/ 95]، ولكن في الوقت نفسه فرصة لمراجعة الّذات ونقدها، وإصلاح الخطاب، وبناء الإنسان المسلم شرقا وغربا، وأن نسعى في إحياء الدّول جميعا تعليما وصحّة وكرامة واستقرارا؛ لأنّ إحياء أيّ دولة وتحديثها هو إحياء للكل، وإماتتها وتخريبها تخريب للكل.


وفي الختام أشكر مرّة المركز الإسلامي في باريس بفرنسا على إتاحة هذه الفرصة للحديث حول هذه المناسبة الغاليّة، والحمد لله ربّ العالمين.

*أصل المقالة كلمة وجّهتها لمؤتمر “الرّسول محمّد (ع) والفطرة الإنسانيّة”، أقامه افتراضيّا المركز الإسلامي في باريس بفرنسا مساء الثّلاثاء، التّاسعة والنّصف مساء بتوقيت باريس، 3 نوفمبر 2020م.
المراجع:

  • كتاب للكاتب بعنوان: “عندما ينطق المنبر”، مرقون.
  • مقالة للكاتب حول الاحتفاء “بأربعينيّة الإمام الحسين” وأنسنة الخطاب الدّينيّ، نشر موقع المرقاب الالكترونيّ، ألمانيا، 8 أكتوبر 2020م.
  • بحث للكاتب بعنوان: مستقبل العالمين العربيّ والإسلاميّ في ضوء المتغيرات الجارية بالمنطقة والعالم [إحياء الهويّة ومشترك الأنسنة نموذجا]، لم ينشر بعد.