قراءة في كتاب “عشر سماوات فاتنات”(2).. إنها مصر فانطلق يا لساني

شيخة محسن الشمري


رسم لنا الأديب العماني الرائع، خلفان الزيدي، صورة قريبة لمصر في كتابه الذي يحمل عنوان “عشر سماوات فاتنات” والذي تحدث فيها عن القاهرة بأسلوب جعلنا نعيش وسط القاهرة دون أن نذهب هناك حين خصص لها عنوان: “إنها مصر فانطلق يا لساني”.


لم يتحدث المؤلف في هذه الرحلة عن جغرافية وتاريخ المكان بل اكتفى بقراءة ملامح الطرق والوجوه المارة، وتميز أسلوب المؤلف بأنه محايد جميل وعباراته مؤثرة تكتسي برومانسية باقية حتى نهاية الرحلة.

إن المسافة بين ذواتنا الحقيقية وذواتنا المثالية يختصرها طريق الغربة، فعندما نقرر السفر إلى بلد ما في إجازة خاصة، فإننا نهرب لننفرد بذواتنا لعلنا نجدد طاقتنا ونسترد نشاطنا، فالغربة وحدها من تستطيع مساعدتنا لاستكشاف ما نود استكشافه، من خلال اختيار وجهتنا للبلد الذي قررنا السفر إليه.


مفهوم الاستكشاف هنا ربما يكون علميا أو فنيا أو أدبيا أو ترفيهيا أو اجتماعيا أو حتى اكتشافا في رحلة عميقة للذات، وهذا النوع من الاستكشاف يجعلنا بحاجة إلى بقعة أرض تحتوينا، نستنشق فيها فرحتنا ونزفر كل أحزاننا.

في رحلة “إنها مصرُ فانطلقْ يا لساني” للمؤلف الأستاذ خلفان الزيدي، وجدت نفسي -كقارئة- أجدف في بحر أمواجه المتلاطمة لأجد نفسي غارقة في عمقه، وتارة أجد نفسي على سطحه، فكلما توجهت إلى العمق ارتفعت نشوتي وزادت نسبة إعجابي بأسلوب مؤلف يمتلك تناغما سحريا عميقا يلامس القلب ويحترم العقل.


لقد أعجبني جدا أسلوب المؤلف في مقدمته لهذه الرحلة فقد كتب: “القاهرة، أي قدر قذفك ثانية في هذه المدينة المليئة بالتفاصيل، المزدحمة بالأحداث والممتلئة بالحكايات؟ تنظر إليها من شرفة فندق “بارميزا” في الطابق الثالث منه، فترى الصورة أمامك متشكلة كما تعرفها، من البعيد يلوح مبنى الأوبرا المصرية، يصلك نحوه خيط ضئيل، يكبر كلما تأملت التفاصيل حوله، أكداس من البشر تغدو وتروح، تحمل على أكتافها حكايات مثقلة بالوجع ومثخنة بالحياة، لا تدري أي خاتمة ستسدل الستار على مشوارها”.


كما أعجبني أسلوب المؤلف في هذه الفقرة: “أمضي في الشارع وحيدا، أقطع المسافة الواصلة بين فندق بارميزا والأوبرا، انعطف من شارع بارميزا نحو شارع مجلس الدولة، دون أن آبه للهيب الشمس والحرارة الملتهبة، أتوقف قريبا من شارع التحرير أتأمل المنظر من حولي، كم من صورة تناسلت عن هذا المكان؟ وكم من العشاق توقفوا برهة هنا أو هناك ليكتبوا فصول حكاياتهم ويكون النيل شاهدا عليهم وكاتم أسرارهم؟ يمسك أحدهم بيد حبيبته في أول شارع التحرير ثم يتركها في آخر الشارع وكأن الحكاية لا تحتمل أكثر من هذه المسافة”.


“أأحببت القاهرة يوم جئتها أول مرة؟ أم هربت منها؟!”.. يبقى سؤال المؤلف عالقا في ذهن كل الذين حملوا حقائبهم وتوجهوا إلى هذه المدينة الرائدة وتبادلوا الحديث مع أول سائق سيارة أجرة مفادها “احنا غلابه يا بيه لو مش بنضحك هنموت من الهم”.


وعلى أي حال قد يفيدني تحليلي بعد قراءتي العميقة لهذه الرحلة، أن هناك تعميقًا آخر يختصره المرء في معرفته لذاته عندما تقوده حاجته إلى بقعة أرض تحتويه وتجرده من مشاعره المتناقضة المتعطشة للتغيير فيجد أن هذه البقعة مليئة بتناقضات تعاكس تطلعاته التي لم تتحقق وأهدافه التي لم تنجز.

*الصورة من محرك البحث العالمي (جوجل)