أحمد بن سليمان الكندي يكتب: الباحثون عن أمل.. وماذا بعد؟


احمد بن سليمان الكندي


ونحن في وسط هذه الزوبعة دعونا نبحث عن توصيف دقيق للواقع الذي نعيشه لنعي جيدا الأبعاد الحقيقية لهذا الواقع ونستطيع تقديره التقدير الصحيح الذي يمكننا من وضع الخطط للخروج من هذا القمقم.
أين نحن الآن؟ سؤال مهم ومحوري وحساس.
على الصعيد العالمي نحن في العام 2020 حيث اجتاح فيروس كورونا العالم فقلب المعادلات وأخل بالتوازنات. وأثر في كل الاقتصاديات، نحن في العام 2020 حيث أدى كورونا الى خفض الإنتاج الصناعي حول العلم وهذا بدوره أدى إلى قلة الطلب على الطاقة ومنه إلى قلة الطلب على النفط والغاز ومنه إلى تأثر مواردنا المالية كدولة مصدرة للنفط، نحن في العام 2020 حيث أثخن كورونا اقتصاديات الدول العظمى، وأربك خططها وميزانياتها، وعطل مؤشرات النمو فيها، وضعضع إمكانياتها المادية والعلمية في مواجهة هذه الأزمة الصحية والاقتصادية، نحن في العام الذي أصيبت به جميع دول العالم في مقتل حيث أثبت كورونا أنه هاجم الجميع على حين غرة فلم تفلح معه كل الاستعدادت ولم تنجح في صده جميع الإمكانات.


أما على الصعيد المحلي فنحن في العام 2020 حيث أدى انخفاض موارد الدولة إلى حدوث هزة عنيفة للميزانية وباتت الحكومة تبحث عن أولى الأولويات لتعطيها ما لديها من دعم محدود ثم اتجهت لتعزيز الميزانية بزيادة الرسوم واستحداث الضرائب ورفع الدعم عن بعض الخدمات، نحن في العام 2020 الذي بلغت فيه نسبة الباحثين عن عمل ارقاما كبيرة واضيفت إليها أرقام أخرى للمسرحين عن أعمالهم الذين باتوا يشكلون ولأول مرة عددا مؤثرا يجب أخذه في الاعتبار، نحن في العام 2020 الذي انخفضت فيه فرص العمل وعم الركود الاقتصادي البلاد، فالمشاريع الحكومية باتت معدودة، وتأثر بهذا الكثير من الشركات، علاوة على تأثر الاقتصاد بالاغلاقات المتكررة التي فرضها كورونا، نحن في العام 2020 الذي نشعر فيه ان الحكومة بذلت وتبذل – مع كل هذه الظروف – كل ما في وسعها لتأمين سبل العيش الكريم للمواطن وهي سواء اتفقنا مع خططها وقراراتها ام لم نتفق كانت ولم تزل حريصة على معالجة هذا الوضع الاقتصادي المتأزم وتسعى جاهدة للخروج منه والتقليل من آثاره.


من هذا كله نخرج بأننا في وضع اقتصادي عالمي ومحلي صعب وغير مسبوق، ولا نلمح حتى الآن اي ضوء يرشدنا إلى نهاية هذا النفق المظلم. لذلك فالموقف أدعى ما يكون إلى النظر فيما لدينا من امكانيات وما عندنا من موارد، وما نملكه من قدرات، وما مررنا عليه من تجارب وما حصدناه من خبرات، وليس من الخطأ ونحن نستجمع قوانا أن نستحضر إرث عمان التاريخي وما كانت عليه من مكانة اقتصادية وعسكرية يشار اليها بالبنان لنجعل ذلك مرتكزا نقف عليه بثبات فنزداد به ثقة وصلابة ونحن نواجه هذا الوضع المتأزم .
إننا اذا ما قدرنا لهذا الوضع خطورته واعطيناه حقه من الاهتمام، وإذا ما عرفنا من نحن وماذا نملك وماذا نستطيع أن نفعل، فإننا بعون الله قادرون بلا شك على وضع النقاط على الحروف وتوجيه السفينة الى الوجهة الصحيحة استعدادا للابحار بها الى شاطئ الأمان .
أن أول الخطوات تجاه هذا الإبحار المأمول إلى بر الأمان هو أن نعرف أننا بصدد وضع لا يمكن حله بين ليلة وضحاها ، فليس ثمة عصا سحرية تخرجنا من هذا الوضع سريعا، وأن هذا الوضع يتطلب وضع خططا استراتيجية تنفذ على مدى سنوات إن لم يكن عقود، خططا تهدف بشكل أساسي إلى اصلاح الاقتصاد والنهوض به من كبوته بما يمكنه من امتصاص القوى الباحثة عن عمل، وأن هذا سيكون تدريجيا وعبر مخاض عسير لا يخلو من عثرات وعقبات، وأن الحل سيتطلب تخطيطا لا يحتمل الخطأ وتضحيات ليست هينة، وصبرا ليس بالضرورة أن يكون جميلا.


في هذا الوضع الاقتصادي المتأزم نستطيع أن نحدد أطرافاً ثلاثة هي المعنية أكثر ما يكون بحلحلة هذا الوضع، وهي الحكومة والقطاع الخاص والباحثون عن العمل، هذه هي الأطراف الرئيسة التي تؤثر في الوضع الاقتصادي وتتأثر به بشكل مباشر، هذه هي الأطراف التي يجب ان تلتقي رؤاها وتتوحد جهودها وينتظم عملها ليصب في بوتقة واحدة ذات أهداف واضحة مصاغة على سلم زمني محدد، هذه هي الأطراف التي يجب تعمل معاً وأن تربط بينها الثقة المتبادلة وإخلاص النية لله والتوكل عليه، وتأكيد الولاء للوطن وللسلطان.
ولنبدء بالحكومة التي بذلت – ولم تزل- جهودا كبيرة في معالجة الوضع الاقتصادي الراهن، ففي الوقت الذي قامت فيه بإصلاحات في الجهازالإداري للدولة بغية تحسين الأداء ومكافحة الفساد، فإن جهودها لدعم مؤسسات قطاع الأعمال لا يمكن إنكاره بالإضافة إلى ما تبذله من جهود وما تنفذه من خطط على المدى الطويل لتنويع مصادر الدخل وتعزيز الجاذبية الاستثمارية للسلطنة، وكل هذا بلا شك كان وسيكون له النتائج الإيجابية على اقتصادنا الوطني بما يمكنه من الاضطلاع بالدور المنتظر منه في توفير فرص العمل المطلوبة للشباب.


لكن وبالرغم من كل هذه الجهود المقدرة فإنه من الملاحظ أن الحكومة لم تزل تنظر إلى مشكلة الباحثين عن عمل على أنها قضية تعالج ضمنياً مع تنفيذ خططها الاستراتيجية لاصلاح الاقتصاد، وهذا في نظري غير كاف ولا يتناسب مع أهمية هذه القضية، فقضية الباحثين عن عمل حري بها أن تكون لها خطتها لاستراتيجية المستقلة التي يجب أن يضعها ويشرف عليها مجلس الوزراء بالتعاون مع مجلس الشورى، فهذه القضية بما تمثله من أهمية وبما تتطلبه من حلول متشعبة أكبر من أن يترك أمرها لوزارة واحدة مع تقديري لها .


إن ترقية مركزية القرار في قضية الباحثين عن عمل إلى مستوى مجلس الوزراء سيحقق عدة فوائد من أهمها منح القضية زخماً تفاعليا أقوى ومعالجة آلية اتخاذ القرار في كل ما يتعلق بها، والتي كانت محل جدل واسع في الآونة الأخيرة،والذي يعد مؤشراً واضحاً على درجة حساسية هذه القضية وحساسية قراراتها وأهمية أن تأخذ حقها من الدراسة والبحث قبل إقرارها. كذلك فائدة تولي مجلس الوزراء للقضية تكمن في قدرة المجلس – باعتباره أقوى جهة رسمية في الدولة – على الجمع والتنسيق بين أطراف كثيرة يمكن أن يكون لها أدوار دراسية أو تخطيطية أو اشرافية أو تنفيذية للحلول الموضوعة لها، كما أن مجلس الوزراء بما يمكله من سلطة مطلقة سيكون مؤهلا أكثر لاتخاذ قرارات أكثر حزما وأكثر فاعلية تنتظرها البلد منذ فترة طويلة من بينها تطبيق برنامج إحلال وظيفي شامل للقطاع الخاص.


أما بالنسبة للقطاع الخاص فأنا أعني به تحديدا رجال الأعمال الكبار وأصحاب الشركات وذوي الثروات، فلاشك أنه تقع عليهم مسؤولية كبيرة يجب أن يتولوها بكل شجاعة، وأن يبادروا إليها بكل رحابة صدر، وعليهم أن لا يأنفوا من الدور المنتظر منهم خدمة لعمان الغالية التي لطالما ترعرعوا في كنفها، وتغذوا من خيرها، ونالوا من كرمها، إن عليهم في المقام الأول تجاه هذه القضية أن لا ينظروا للباحثين عن عمل على أنهم عبء ثقيل ، فهؤلاء هم كنز الوطن وثروته الحقيقية ورصيده الأغلى واستثماره المضمون، إنهم وقود التنمية، وطاقتها المستدامة وقيمتها المضافة، وعليهم أن لا ينسوا أن وجود الباحثين عن عمل وبهذه الأعداد الكبيرة طبيعيا بفعل الازدهار الحضاري والبشري الذي شهدته بلادنا خلال السنوات الخمسون المنصرمة، لذا فإن تأمين حاضرهم ومستقبلهم حق واجب على الوطن لهم وليس منة منا نتفضل بها عليهم. إن على رجال الأعمال مسؤولية تحويل المحنة إلى منحة، عبرتحويل الطاقة المهدرة إلى طاقة نشطة تبني عمان بشكل فعال، إن عليهم أن يسخروا امكانياتهم وخبراتهم في اقتراح مشاريع متنوعة تخلق فرص عمل جيدة للشباب العماني، وأكاد أجزم أن الحكومة لن تقصر معهم في شيء اذا ما قدموا لها حلولا جذرية يستفيد منها الجميع.


أما الباحثون عن عمل فإن عليهم أن يعلموا أن الحصول على وظيفة متواضعة ليس هو نهاية الحياة، وإنما هو البداية التي تتمثل في وضع القدم على عتبة العمل والانطلاق في بحره الواسع، وهذا بلاشك له قيمته في حد ذاته لأنه سيكون السطر الأول في سجل الخبرة الذي يجب أن يملأه الباحث عن العمل عزيمة وكفاءة واخلاصا للمؤسسة التي يعمل فيها، فواقع العمل في القطاع الخاص أصبح لا يؤمن بالشهادات والمؤهلات قدر إيمانه بشخصية الموظف وكفائته وتفانيه في خدمة المؤسسة، فكلما ملأت سجلك الوظيفي بمهارات وكفاءات متنوعة، وكلما شهد لك عملك بالاخلاص والتفاني فحينها تستطيع أن تفرض نفسك لمستويات وظيفية أفضل.


وفي الختام نقول أنه مهما كان الوضع فإن عمان تظل بخير بقيادتها الحكيمة ولحمتها الوطنية وإمكانياتها البشرية ومواردها الطبيعية وعواملها الاقتصادية، والله نسأل أن يوفق عمان قيادة وشعبا لما فيه خير عمان وخير شعب عمان.