شيخة محسن الشمري تكتب: قراءة في كتاب “عشر سماوات فاتنات” للكاتب خلفان الزيدي


شيخه محسن الشمري

تعد كتب أدب الرحلات من أهم المصادر التي تبرز جغرافية وتاريخ المكان وأيضا عادات الشعوب، لسبب بسيط وهو :أن الكاتب يستسقي المعلومات والحقائق من المشاهدة الحية التي يراها ويدونها بأسلوبه الخاص. ومن وجهة نظري أرى أنه كلما كان أسلوب الكاتب سرديًا بديعًا كلما وصل الى صميم عقل ووجدان القارئ. وبما أنني وبكل تواضع عاشقة لقراءة مثل هذه النوعية من الكتب وجدت أن المؤلف ومن خلال (عشر سماوات فاتنات) يعزف لحناً منفرداً جميلا ً في الوصف للطبيعة والبشر .
يضم الكتاب عشر رحلات، وتحمل كل رحلة عنوانًا منفصلًا، أما عنوان الرحلة الأولى فهو ( لو يعرش الياسمين على أصابعي )…


تعود أحداث الرحلة إلى شهر ابريل من عام ٢٠٠٧م عندما ارتحل المؤلف مع أصدقائه وهم : الأستاذ محمد بن سليمان الطائي (مدير عام ورئيس تحرير صحيفة الوطن العمانية) والأستاذ سعيد بن خلف البحري إلى (دمشق) والتي سميت قديما (بالفيحاء) وهي من المدن التاريخية المعتقة بأصالة الشعب السوري الحبيب .
أعجبني جدا أسلوب الكاتب الملئ بالتشويق وأثناء قرائتي لهذه الرحلة استذكرت مقوله لأحد الكتاب الفرنسيين في القرن الثامن عشر عندما كتب : ( إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفًا للإنسان )، وبصراحة وجدت أن الكاتب يحمل درجة عالية من الثقافة والأدب .


أبهرني تواضع رئيس تحرير صحيفة الوطن الأستاذ محمد الطائي عندما تنازل عن مقعده بالطائرة من درجة الأعمال إلى السياحية بعدما وجد صديقيه قد حجزوا بالسياحية قائلا : ( سنسافر نحن الثلاثة في مكان واحد حتى لو اضطررنا للوقوف معا طيلة الرحلة ) .


استقبال مبارك الهنائي من السفارة العمانية بدمشق للأصدقاء الثلاثة في مطار دمشق أعطاني حماسا بأهمية الرحلة .
كتب المؤلف : تعتبر دمشق من المدن المعتقة التي شيدت أركان الحضارات المتعاقبة منذ الألف الثاني قبل الميلاد فكانت عاصمة آرامية ثم مدينة اغريقية ثم رومانية وبعد ذلك أصبحت عاصمة الخلافة الإسلامية لما يقارب المائة عام .
تفاعلت جدا بأسلوب المؤلف عندما كتب : (لا أستطيع ان أكتب عن دمشق دون أن تعرش الياسمين بين أصابعي ولا أستطيع أن أنطق اسمها دون أن يكتظ فمي بعصير المشمش والرمان والتوت والسفرجل ولا أستطيع أن أتذكرها دون أن تحط على جدار ذاكرتي ألف حمامة وتطير ألف حمامة ) .


تألمت كثيرا وأنا أستذكر حال العواصم العربية في الوقت الحالي بعدما قرأت ما ذكره المؤلف حينما قال : ( كانت كينونة المدينة تماثل الصور المحفورة في ذاكرتي لمدن وعواصم تاريخية أخرى كنت أجد في دمشق ذات الملامح وذات السمات التي وجدتها في بغداد والقاهرة وبيروت ومراكش كانت روح الشرق متناسخة بين هذه المدن إلى حد كبير ) .


تمنيت لو أنني جالسة بين الأصدقاء في السيارة مستمتعه بحديث السائق (محمود) وهو يحدثهم عن الحارات العتيقة ( كالميدان والشاغور والصالحية وساروجة والمزة الغربية وأبو رمانة والمالكي وعن ساحة المماليك والأمويين والحميدية)، كما تمنيت لو أنني برفقتهم عندما جلسوا بساحة الأمويين والتي كانت أولى محطاتهم بكونها الحاضنة لفندق (الشيراتون) محل إقامتهم وتشوقت جدا لرؤية (المقهوجي) بلباسه الشامي وهو يحمل القهوة العربية المعتقة بروائح الزنجبيل لضيافتهم .


كانت زيارتهم لمقام السيدة زينب من أجمل الزيارات، فقد سمي المقام بهذا الإسم نسبة الى السيدة (زينب بنت علي بن أبي طالب) رضي الله عنها ويعد المقام من أشهر مواقع السياحة الدينية في دمشق .

استمتعت كثيرا وأنا أقرأ أسلوب المؤلف عندما أراد أن يصف مقام السيدة زينب فكتب : (الصورة المماثلة للمسجد تنبئ عن تحفة معمارية رائعه وصرح هندسي بديع يجمع بين بنيانه كل الفنون الجميلة من التصوير إلى الزخرفة مرورا بالخط العربي والإسلامي والفنون التطبيقية كفن الخزف والمرايا والخشب والزجاج والنقش والسجاد وفن الإضاءة الدقيق )، وأيضا كتب : ( ما تتميز بها المساجد أن مآذنها مضاءة بالألوان الخضراء كدلالة على كينونتها وتميزا لها عما حولها من المباني والعمارات ) .


أبهرتني ذاكرة المؤلف فمسكت الخشب عندما كتب أنه يستذكر أسماء ومناطق مدينة (دمشق) بفضل ما سمعه من كلمات العاشق الدمشقي نزار قباني وأدونيس وفي نصوص محمد الماغوط وسعد الله ونوس وحتى ما سمعه من أعمال الفنان دريد لحام ونهاد قلعي والأعمال التلفزيونية كالخوالي وليالي شامية وباب الحارة وليالي الصالحية )….. ما جعلني أعاتب نفسي لتقصيري عن متابعة الدراما السورية لكنني وجدت أنها تسليتي الجديدة في الأيام القادمة بإذن الله.
جميل جدا هو أسلوب المؤلف ودقته في الوصف فهذا الكتاب كُتب ليأسر القارئ ولا يدعه يؤجل قرائته دون أن يكمل فصله فعندما تحدث عن ساحة الأمويين مرورا بالحميدية كانت دمشق تتداخل في معالمها حقا .


قلعة دمشق القديمة التي تحمل تمثال صلاح الدين الأيوبي وهو يمتطي حصانة شاهرا سيفه بيد ودرعه بيده الأخرى زادني شموخا وعزة، أما باعة الزيتون والمكسرات والعصائر الشامية من الكركديه والتمر الهندي والفواكه الطازجة جعل لعابي يسيل، وباعة الكتب الذين يعرضون دواوين الراحل نزار قباني وكتب تفسير الأحلام والأبراج والطبخ على جوانب الطريق جعلني أندم أنني لم أقم بزيارة ولو خاطفة إلى هذه المدينة التاريخية الجميلة .

كتب المؤلف أن المسجد الأموي لم يكن مكانًا لإحتضان الصلوات الخمس فحسب؛ بل كان مركزا من مراكز الحياة الدمشقية والتي تعددت وظائفة وامتدت لتشمل تجهيز الجيوش وإدارة دفة الحكم إبان العهد الأموي بالإضافة إلى نشاطات أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وقد بناه الخليفة الوليد بن عبدالملك سنة ٧٠٥م ويعتبر أول معبد معروف حيث كان يعلو في مقامة معبد (حدد الأرامي ) وحدد هو إله العاصفة والبرق وكان يُعبد في دمشق منذ ثلاثة آلاف سنة ويقصده الزوار للتبرك فيه إلا أن هذا المعبد تحول إلى كنيسة في آواخر القرن الرابع الميلادي وعندما دخل خالد بن الوليد دمشق فاتحا أقام الصلاة في الزاوية الجنوبية الشرقية غير بعيد عن الكنيسة فكان أول مسجد في الشام وفيه أقيم أول محراب ما زال يحمل اسم الصحابة وفي عام ٧٠٥م بدأ الخليفة عبدالملك الإستعداد لعملية البناء وأمر بهدم كل مداخل المعبد ومع مرور الزمن لم يستطع المسجد الوقوف في وجه التقلبات المناخية والكوارث الطبيعية التي أصابته وتعرض للإهمال إلى أن شهد في عام ١٩٩٤م أكبر عملية ترميم وإصلاح في تاريخه.


أثارني الفضول لزيارة الغرفة الصغيرة في ساحة المسجد الآموي والتي قيل عنها في بعض الروايات أنه هو المكان الذي حط فيه رأس الحسين بن علي رضي الله عنه وأيضا أثارني الفضول لزيارة مرقد السيدة رقية بنت الحسين رضي الله عنها والواقع في شمالي المسجد الأموي .

وأيضا تشوقت لزيارة ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي الذي يقع داخل المدرسة العزيزية في حي (الكلاسة) شمالي المسجد الأموي والذي كتب عنه المؤلف بأن المدرسة بناها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي بعد وفاة والده عام ٥٨٩ هجري وقد كتب أسفل الضريح عبارة ( قف بإحترام أمام مرقد بطل الإسلام العظيم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب شادي ) والذي ولد رحمه الله في قلعة تكريت ونسبه يعود للأكراد الرواوية والذي توفي في دمشق ودفن في قلعتها ثم نقل إلى هذه البقعة .


وبما أنني محبة لزيارة الأماكن التاريخية تحمست جدا لزيارة (قصر العظم) وهو أحد أهم معالم دمشق القديمة ويمثل نموذجا مدهشا للبيت الدمشقي القديم كما وصفه المؤلف ويعود تاريخ القصر العظم إلى عام ١٧٤٩ هجري وقد قام ببنائه (أسعد باشا العظم) والي دمشق آنذاك وقد اتخذه المفوض السامي الفرنسي مقرا لإقامته في بداية الإحتلال عام ١٩٢٠م ثم اشترته الحكومة الفرنسية من ورثته وحولته إلى معهد للدراسات العلمية حتى تعرض إلى أضرار كبيرة خلال القصف الفرنسي لدمشق إبان الثورة السورية عام ١٩٢٥م وفي عام ١٩٥٤م تم ترميمه وتحول إلى متحف للتقاليد الشعبية .


تذوقت طعم (بكداش) اللذيذ كما وصفه المؤلف والبكداش هي (البوظة) الشامية وقد سميت بكداش نسبة إلى مالكيها وهم الأخوان موفق وهشام بكداش ويعتبر علامة تجارية لأشهر محل بوظة في الشام منذ عام ١٨٩٥م .
وصف المؤلف لسوق الحميدية بدمشق كفيل بتخطيط زيارة سريعة له .

الكنافة والبقلاوة والبلورية والآسية المتلألئه بحبيبات الفستق والجوز المنثور من أشهر أنواع الحلويات الشامية وهي مهنة (البغجاتي) الذي كان يجمع بين إعداد الطعام وصنع الحلويات إبان الحكم العثماني.


انبهرت حقيقة من جمال وروعة جبل (قاسيون) فقد كتب المؤلف عنه : (حينما نطل من قاسيون نرى بغداد تعانق السحب وبيروت شامخة كالجبل وفلسطين باسقة راسخة ترفض الهوان والخنوع) أما رواية الأساطير والحكايات المتداولة عن(مغارة الدم) والتي تشهد أول جريمة في التاريخ لقابيل الذي قتل آخاه هابيل فبكى الجبل وفتح فاه ليبتلع القاتل لم تقنعني حقيقة واعتبرها من روايات الأساطير الغير دقيقة فقد سبق لي وقرأت كتاب آخر بعنوان : (أيامٌ في اليمن) للأديبة الكويتية ليلى العثمان ففي هذا الكتاب أيضا ذكرت المؤلفة في كتابها رواية عن أول جريمة قتل في التاريخ : حيث وصفت شجرة (دم الأخوين) الموجودة بجزيرة (سقطرى) اليمنية (بأنها إذا وخزت هذه الشجرة بدبوس يسيل من جذعها دم أحمر أما عن سبب تسمية الشجرة بدم الأخوين فهي تعود إلى ما قيل عنها بأنها الشجرة التي تقاتل تحتها الأخوين ( هابيل وقابيل ) .


راقت لي طاولة العشاء التي جمعت الأصدقاء الثلاثة برفقة موظف السفارة العمانية بدمشق مبارك الهنائي والذي جمعهم في آخر محطات هذه الرحلة في أحد المطاعم المنتشرة على سفح جبل قاسيون .

ما يؤسفني وبعد انتهائي من قراءة هذه الرحلة أن الكتاب لم يُذيل بأي صورة من الصور التي التقطتها عدسة الأستاذ سعيد البحري والذي لم يدع زاوية أو ركنا في دمشق دون أن يصور ويوثق به هذه الرحلة الجميلة وأيضا لقناعتي بأن الصور تعطي مساحة جمالية أفضل من القدرات التخيلية التي يتركها المؤلف للقارئ فيجعله يرسم لنفسه ملامح الشخوص والأماكن .


يقول الشاعر بابلو نيرودا (يموت ببطء من لا يسافر من لا يقرأ من لا يسمع الموسيقى) ومن كرم الأديب العماني الأكثر من رائع خلفان الزيدي أنه زودنا بتذكرة سفر طيران كلاسيكية الأسلوب مع سيمفونية ربط الجمل والعبارات الساحرة بكتاب لم لم تغمض أجفاننا عنه قبل الإنتهاء منه فما أروع السماء الأولى (دمشق) وما أروع أن يشمل الكتاب كل حروف ومعاني ما قاله الشاعر التشيلي الراحل بابلو نيرود في عبارته الخالدة .


5 أكتوبر 2020م