وفاء بنت سالم تكتب: يوميات لا تهم أحدًا(30).. في وداع صديق

وفاء بنت سالم

عزيزي، ها أنت تغفو أخيرًا لتنبت في قلبي صرخات باكية تتعثر دموعي بها، تطرد النظرات الصارمة عني وتبعثر صوتي.
أستفيق على صوتك تناديني: “استيقظ لأكتب لك، هل أنت بخير؟”، وينطق لساني دعوات تطلب من الله أن يجعل لك من قبرك نورًا.

هذا المدى لا يعرف شيئًا، لا يستطيع أن يبصرني الآن.

أنا التي ابتكرت لغة لا يفهمها غيرك، وارتدت وجهًا لا يعرف قراءته غيرك، تحركت الأمواج العاتية فيّ، تفجرت حمم البراكين في قلبي، ولكني لم أستطع أن أذرف دمعي، أسمع أنين قلبي الآن، أشعر بأظافر حادة تمر على قلبي، لكني لا أستطيع تقبل الحقيقة.
تُرى كيف وجدت الموت؟ بعد أن جعلني أبدأ صباح الجمعة هذا دون أن تسقط كلماتك عليه؟

أتذكر صباح الثلاثاء؟! كان صوتك بعيدًا خافتًا وكان صوتي قلقُا وجلاً وكنت تكره ذلك، كنت تلعن الحروب والفقر والجوع، وكنتُ أدعو الله أن يمنحك عمرًا آخرا مليئا بالسلامة والطمأنينة.

كنت تريد الموت وكنتُ أريدُ لك الخلود، نسيت أمام أنانيتي أن الموت يُخلد من هم مثلك، لكني لا اُريد لهذه الخبر أن يكون صادقًا، كما أنني لم أكن أريد أن يغلبك المرض، ولا أن ترفع راية الاستسلام معلنا أن هذا السرطان قد تمكن منك.

كنت أؤمن بالمعجزات، حتى أنني اعتقدت أن إيماني بها ستلقي معجزة ما على جسدك، أجل ظننت أنك قادر على التغلب عليه، كي تثبت لي أن لا شيء يمكن له هزيمتك، نسيت بل تناسيت أن الموت هو الشيء الوحيد القادر على هزيمتنا، وأننا مجرد ضيوف لا أكثر ، وتجاهلت رغبتك في الموت وأمنيتك في أن ينتهي كل شيء.

اه يا صديقي أي غصة تركتها فيّ، وأي وجع يبتلعني الآن، كيف للحياة أن تسرق منا الصالحين وتبقي لنا كل سيء، أي عدل يمنحه لنا الموت في هكذا حكم؟!

أستطيع أن أسمع صوتك الآن تطلب مني الاستغفار من أسئلتي، وأستطيع أيضا أن أرى رفضك في أن اُقيم الحداد عليك، لكن هل يقام للذئاب حداد عادي؟! وهل ترحل دون أن تبكيها قبيلتها؟
لقد أنجبت لغتي منك قبيلة من التساؤلات، وأجهضت حقيقة أنك راحل لا محالة، لطالما قلت لي: “لقد كتب لي الحياة وحيدًا د”، وها أنت ترحل وحيدًا دون أن استطيع أن أقول لك: “وداعًا” للمرة الأولى والأخيرة.

ودون أن أمتلك القدرة على ذرف الدموع وأنا أفكر بك في ليلتك الأولى في سرير فرشه التراب، وغطائه التراب، لقد نلت مرادك أخيرا وأصابتني الصدمة لذلك.

هذا القضاء الذي يُدعى الموت صرتُ أخافه الآن لأنه رفع راية نصره عليك بعد صراع بينك وبينه دام لسنوات، صراع كنت تمنحه فيها كل سبل النصر عليك وكان يتجاهلها.

لقد عاد بداية هذا الشهر لأنه يعلم جيدا بأنك أنهيت دينك مع الحياة ومن فيها، أسأل الله أن يمنحك السلام والرحمة في قبرك وأن يجعل النور رفيقا لك.
في أمان الله يا صديقي.