بورتريه إمرأة.. مالذي يثقل أجساد النساء؟

أميرة الشحية


يقول سونيا “إن رسم الوجه يستغرقني كما يعذبني”. واصفاً علاقته الأزلية بلوحته. نبحث هنا عن الأنثى منظوراً إليها من عيني الرجل، فناناً. لقد ترافقت عودة أنور سونيا من البحرين إلى السلطنة، مع نزعة للفنانين الشباب نحو تنظيم معارض فنية في الأندية الرياضية في عقد السبعينات. فبدأ بتصوير الحياة الشعبية العمانية، ملتزماً بقضايا المجتمع، والموضوعات المألوفة. فيما عبرت لوحات عقد الثمانينات عن الواقع الاجتماعي، حيث يمكن تفحص نزعته نحو رسم الأنثى وهي تعمل، فأنتج لوحات مثل “الدلالة، وبائعة الملابس، وبائعة الأكياس في مطرح، وبائعة الأدوية”(1).

بطريقة ما وصلتني هذه اللوحات بهيئة أوراق مطبوعة مطلع الألفية الثانية، في فترة كان يصعب فيها تداول الأعمال الفنية، ومع غياب تام لأي إمكانية لاستقاء وتطوير ثقافة بصرية في ذلك الوقت. ترتبط هذه النماذج بأولى محاولاتي في تقليد اللوحات الفنية. حيث لم يكن يعنيني فيها مضمون، أوبناء، أو شكل اللوحة، ما كان يعنيني هو الدقة الباهرة في رسم التفاصيل الواقعية.


قدم سونيا مجموعة أسماها الوجوه ، بموضوعات تعالج الحالة الشعورية للأنثى، مثل: الحائرة، والانتظار،عام 1999(1). ففي لوحة الانتظار، يرسم سونيا امرأة تسند رأسها إلى النافذة في مساحة من الانتظار، وبين الغياب والحضور ، يلقي سونيا بظلال الأخضر على نقيضه الأحمر؛ ليصور حالة من التباين الشعوري الذي تخلقه حالة الانتظار. أما أهم لوحات هذه الفترة فهي مجموعة لنساء عمانيات يمارسن حياتهن اليومية في البيوت القروية، فرسمهن سونيا منفردات أو مجتمعات. لقد تعامل التقليديون والمجددون مع إنتاجات سونيا بإيجابية(1)، إذ أنه من الفنانين القلائل اليوم، الذين يقدمون نموذجاً للفنان المتجدد الذي يقاوم الزمن، ويرسم طريقته الخاصة في البقاء بالتعلم المستمر والانتاج. لا أبالغ إن قلت أنه يشكل حلقة وصل، ممتلكا مفاتيح اللغة، بين جيل الرواد، والجيل المعاصر من الفنانين العمانيين. يتبلور أسلوب سونيا التجريدي حالياً ليظهر المرأة، مؤديةً للرقصات الشعبية في نوتات لونية، وحركية منغمة، تتكاثف فيها خفة الجسد الراقص، متداخلةً بشفافية اللون.


بدأت تكتلات من الفنانين والشعراء بإنتاج أعمال مشتركة حول الخليج العربي في بداية الألفية، نزعة الشراكة بين اللون والكلمة قديمة جداً، إذ يقول سيدمونيدس” الرسم شعر صامت، والشعر صور ناطقة”. حيث كتب الشاعر والناقد سماء عيسى عن لوحات رابحة محمود رابطاً مضمونها بالأرض، وتجربة الأمومة. فوصف الجسد الممتلئ بحركة الحياة في عالم هلامي. مختزلاً ثنائية المرأة واللون، والانعتاق من الأسر الجسدي والمحيط الإنساني حيث لا عناوين للوحاتها(1)، وهنالك ثيمة واحدة مكررة… نسوة هلاميات بلا ملامح من الأرض للسماء. أما زكية البروانية فقد رسمت تجريدات نسوة متكسرات بلا ملامح أيضاً، حاملاتٍ أعباءاً على رؤسهن. إضافة إلى هذه التجارب التجريدية والسيريالية، يظهر نموذجٌ تعبيري بسيط لسعود الحنيني يصورسجينة تقبض بحمامة بيضاء.

انقضى وقت طويل إلى أن تحدثت الأنثى بدورها عن ذاتها وصورتها، فأضحى بذلك خطاباً واضحاً له ملامحه، عندما عُرضت أعمال الفنانة والأكاديمية فخرية اليحيائي في المتحف القومي للمرأة في سان فرانسيسكو، بتخلصها من إطار اللوحة واستخدام أدوات الفن المعاصر، تفصح فخرية عن هوية المرأة العمانية التي تم اختزال صورتها في نمط واحد مكرر من اللون الاسود والذي اعتبر لون الحياة اليومية للمرأة. بينما تقبع تحته ألوان زاهية، لأزياء من الحجاب التقليدي مشكلة هيئة المرأة(2).

تواصل فخرية طرح سؤالها الأهم، وهو: كيف نعبر بالتراث إلى المعاصرة دون تهديد للهوية؟ فتبدأ بجذور صورة المرأة العربية في الفن التشكيلي بازدهار الفن الاستشراقي، الذي رأى في المرأة وجهاً وجسداً جميلاً. اتخذت فخرية مفردة المرأة العمانية كأقوى وسيط معبّر، وعابر بالتراث إلى المعاصرة ، رغم كل القيود الدينية والاجتماعية المفروضة عليه. تتناول الفنانة جسد المرأة كما تذكر “بكل هدوء وحذر”، فهو مستوعب ومحتوى ومظهر يعكس الهوية، وماهو، معلن، ومخبوء ، ومقبول بتواتر الزمن والأجيال، في حين أنها قد وظفت الفن العاصر؛ لتفكيك ثنائيات الحضور والغياب في الفراغ. تعالج فخرية هذه الثنائيات في معرضها، “أنت، وأنا عمانيات”، والذي أقيم في المركز العماني الفرنسي عام 2014، حيث قدمت أعمالا فوتوغرافية تعزف ايقاعات لونية منسجمة بين الأنا الخاصة بها، والأنا المنتمية للمجتمع، فأجساد النساء تبنيها وتؤلفها قطع القماش الزاهية لتمنح المتلقي هيئة المرأة كاملة، جسد المرأة مكتمل الحضور كفراغ. تستقي فخرية رموز تعبيرها من ذاكرتها البصرية المخزونة، مستندة على مفردة “الليسو”، أو الغطاء المزركش الذي يغطي شعر النسوة وأجسادهن، الليسو الذي نحفظ هيئته وألوانه وربما روائحه، بهذه المفردة التي ترسم جسراً من الذاكرة بين المتلقي والفنان، يمكن أن نتعرف على قصص هؤلاء النسوء العمانيات، اللاتي تعرفهن كعناوين للوحاتها؛ تعرض فخرية ذاتها الناضجة في حضور نساء حولها، فتبلور تجربتها في نسيج حميم، ومنسجم يجمع جيل الجدة والأم والصديقة(3).


تعود كاوتشمان بذاكرتها إلى اثنتين من نساء البدو اللاتي قابلتهن في الربع الخالي وهن يرعين الماشية، حيث كانت تلك التجربة دافعاً لها للبحث في أرشيفات الصور بين كل من لندن وأكسفورد واستقصاء صورة المرأة العمانية فيها، فقد لاحظت أن صور النساء انحصرت في التوثيق الإثنوغرافي للمرأة البدوية الأصيلة، بينما غابت صور النساء الحضريات. لم تمثل تلك الصور المرأة ككائن جوهري له عواطفه وقصصه الخاصة من وراء الصورة المسبقة عنه “خلف الحجاب، وآلات الخياطة، وقدور الطبخ ” حيث يمثلن قيمة معرفية أنثروبولجية، عوضاً عن ممارسة طقوسهن اليومية الخاصة. فوجهت كاوتشمان موضوعها الممثل في المرأة لسبر مضمون الأنثى ككيان موجود ومفعم بالعاطفة، بمنحهن حرية التصرف أمام عين الآخر، لم تتدخل الفنانة في تموضعهن؛ لتبرز أصوات النساء الخاصة عبر المساحة التي يخترن إظهارها، وتعريف ذواتهن من خلالها، بالوقوف على مسافة أو بالاقتراب، على اعتبار أن الوجه والجسد مرآة تعكس الشعور تجاه الذات والآخر، باختيار ما يرغبن باظهاره واخفاءه، وذلك بمواجهة الكاميرا أوتغطية الوجه جزئياً، أو كلياً، أو إعطاء ظهرهن لها والالتفاف، ليشمل الاختيار كذلك، الاسم الذي يطلقنه على أنفسهن(4). بعيني المعتادتين على تصنيف كل ما تراه، مثّل هذا الكتاب وثيقة مهمة لاستقراء صورة المرأة وواقعها بشكل موضوعي، وأصيل، وممتد لعدة أجيال؛ ليشمل نساء سلطنة عمان من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. تعرض كاوتشمان في أول صفحة من كتابها صورة لإمرأة تدعى منى، لا نستدل على أي انتماء لها سوى أنها تتوشح ببياض كامل، في حين أرخت جزءاً من الليسو على وجهها كلياً وقررت تطويق ولدها ليظهر من منى… اسمها، وكفيها وطفلها فقط. فيما ظهرت صور لفتياتٍ يافعاتٍ يقفن باستعراضية مظهراتٍ أعينهن فقط. بينما تقف شنة وسيدات أنيقاتٍ غيرها، وعلى ما يبدو أنهن في العقد الخامس أو السادس دون أن يخفين أي جزء من وجوههن الوادعة، على النقيض تقف علياء المتشحة بالسواد، وهي من جيلهن كذلك لتغطي وجهها ببرقع جميل لا يظهر سوى عينيها. إن الاخفاء والإظهار في صور النساء عائد إلى قرار وتعبير ذاتي له جذوره الدينية والمجتمعية بلاشك، إلا أنه يصور حالة المرأة اللحظية بعفويتها، كجدة، وأم ، وموظفة، وطالبة، بتشريح تمظهرات الحرية تجاه جسدها.
تفيد الناقدة سوزان باباي، أن كاوتشمان قد قدمت تجربة فنية فريدة من نوعها من خلال رحلة استكشافية لأراضي السلطنة امتدت لثلاث سنوات، مثلت هذه المجموعة الفريدة من البورتريهات، دراسة فريدة لحياة العمانيات، لتتلف بها مجاز الصورة عن النساء الشرقيات. حيث أشارت أنه يمكن اعتبارها إدراكاً أوسع لمفهوم التحجب، عندما يظهر كأداة للزينة، أو يبدو كرمز صامت، يتحول فيه الزي الأسود إلى نص صامت تؤطره الصورة، في حين وقفت الفنانة بعيداً كطرف محايد لتتحدى بذلك الأحكام المسبقة حول ما تبدو عليه المرأة، وما يجب أن تبدو عليه. يرى إدراورد سعيد أن تصوير أوروبا للشرق مثل جسد الأنثى بصورتين متطرفتين، إما محجباً او عارياً بصورة كاملة، إلا أن باباي تلفت أنظارنا إلى الطيف العرقي المتنوع الذي تظهره هؤلاء النسوة العمانيات(4).

لقد مثل الفضاء الرقمي في أيامنا هذه، فرصة للفنانين الشباب لعرض أعمالهم على نطاق واسع ولجمهور متعدد الخلفيات، تتبع روان المحروقي خطاً مغايراً في عرض قضية حجاب المرأة، بصوتٍ فرداني مطلق، تتخذ موقفاً رافضاً وتهكمياً توظف فيه ثنائية الأبيض والأسود، لتبرز تناقضات المجتمع حول شعرها ووجهها وجسدها. فهي تصنع “شخصيةً بلا وجه” بتصويرها لنفسها دون ملامحٍ، في معظم رسوماتها التي يغلب عليها الطابع الكاريكاتيري تلغي روان وجهها. مضيفة عبارات تختزل تساؤلاتها الوجودية من قبيل “ما يخصكم إيش أسوي في حياتي”، “ليش أنا هنا”، و”إيش هي الحرية؟”. تتبنى روان هذه الشخصية، مخاطبةً الآخر… الرجل غالباً، أتريد إلغاء ملامح وجهي؟
تعبر روان في إحدى أعمالها عن ذاتها وهي تختبيء خلف شريكها وتطوقه بيدها، موجهة نظرها مباشرة للمتلقي. الجدير بالذكر أن لفظ ” الستر” يأتي مترافقاً غالباً، مع أحاديث الزواج في مجتمعاتنا، فالزواج حسب العرف ستار يخفي المرأة، ربما نلجأ كجيلٍ معاصرٍ إلى تسويات هادئة لنتلائم مع المجتمع الأكبر، فتنشأ مجتمعاتٌ صغيرةٌ فردانية بروابط قوية، تشكل درعاً تجاه تدخلات المجتمع. نستطيع التسليم بأن الإرث المجتمعي جعل من الزواج فرصة تمنح الفتاة دوراً مرسوماً كزوجةٍ وأمٍ، بصلاحياتٍ أكبر، وحريةٍ لتحقيق ذاتها أو الانغماس في أدوارٍ مجتمعيةٍ قد لا تختارها، لكن ما أستطيع تأكيده، أنه في أفضل الحالات، يبني جداراً منيعاً، ويجعل صوتها مسموعاً بصورة أعلى.

تذكر سيمون دي بوفوار أن الرجل يتصل مع العالم اتصالاً حراً وفق إرادته ككائنٍ مستقلٍ فيما ترزح النساء تحت قيود تعرقل حركتهن(5)، قد ينطبق هذا على مجتمع بعينه، إلا أن القيود المفروضة على الجسد تتباين بتفاوت مفهوم ” العورة” شرعياً ومجتمعياً، فالمرأة كلها عورة ما عدا وجهها وكفيها، أما عورة الرجل فهي من الركبة للسرّة، كما أنه معرض للانتقاص مجتمعياً إن لم يغط رأسه، أو ارتدى ألوانا ذات صبغة أنثوية.


لقد شهدت أول امتهانٍ صريحٍ تجاه مظهري في أول أسبوع لي كامرأة، عندما أفلتت من سؤال الارتباط، كنت قد اخترت عقداً بسيطاً بمنحنياتٍ لطيفةٍ، لأتفاجأ أن ذلك لم يعد قراري بالكامل بعد الآن، وإيذاناً بمرحلة جديدة، فقد أراد مجتمع النساء، تحديداً، أن أختزل قيمتي في ارتداء كل ما لدي وأن أثقل عنقي بكل ماهو بارزٌ وطويلٌ ويمكن قياس وزنه في أعين النسوة حولي. في مجالس النساء تلك، يقسن مدى استدارة الأنوف، يتفحصن الوجوه وانحناءاتها بحثاً عن خيط يدل على العروق، إن السطو على الجسد، وامتهانه، وانتقاصه يحفر عميقاً في ذات المرأة، وهو آت بنفس الصورة من النساء أنفسهن تجاه ذواتهن، ليضاف إلى ذلك الإرث الطويل، والثقيل من ممارسات سلطة الرجل الصريحة على جسد المرأة. على صعيد التعبير الفني، فمن الواضح أن كل الفنانات اتفقن ضمنياً، على محو وإلغاء وتمويه وجه المرأة، ربما قد حدث ذلك لأغراض أسلوبيةٍ بحتةٍ، دون وعيٍ أو قصديةٍ في مرحلة مبكرة من النتاج التشكيلي، إلا أنه استمر بوصفه التعبير الأصدق القادم من ذات المرأة، والفنانة على حد سواء، وهي تفكك تنويعات الظاهر والمخفي من صورتها وتبحث عنها في فضائي اللوحة والواقع.

المراجع:

  1. بالربيعي, ش. (2007). الفن التشكيلي المعاصر في عمان. مسقط: مؤسسة الرؤية للنشر.
  2. الوهيبي, ب. (n.d.). جريدة الزمن .
  3. اليحيائي, ف. (2018). الفنون البصرية في سلطنة عمان: رحلة العبور بالتراث إلى المعاصرة. In ف. اليحيائي, الفنون البصرية في سلطنة عمان، من التراث إلى المعاصرة (pp. 177- 219). مسقط: بيت الزبير.
  4. كاوتشمان, ه. (2015). نساء عمانيات. دار سولوشو للنشر.
  5. بوفوار, س. د. (2008). الجنس الآخر. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع.