السلطنة تتجه نحو الانفتاح الاقتصادي.. قراءة في تقرير الخارجية الأمريكية

أحمد بن علي الصبحي/ محلل مخاطر أول

صدر مؤخراً تقرير مناخ الاستثمار لعام 2020 الذي تعده سنوياً وزارة الخارجية الأمريكية. يوفر هذا التقرير معلومات وبيانات حول الاستثمار وبيئة الاعمال لأكثر من 170 دولة و اقتصاد حول العالم. يساعد تقرير مناخ الاستثمار الشركات و صناع القرار في الولايات المتحدة على اتخاذ قرارات تجارية مستنيرة من خلال تحليل ظروف الأسواق الخارجية فيما يتعلق بالانفتاح على الاستثمار الأجنبي؛ الأنظمة القانونية والتشريعية، الشفافية، السياسات الصناعية؛ حقوق الملكية العقارية والفكرية؛ الفساد، الاوضاع السياسية والأمنية، ومخاطر الأعمال في تلك الأسواق و الدول.

 فيما يخص السلطنة، أشار التقرير إلى أن السلطنة تتخذ خطوات نحو جعل البلاد وجهة أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي. كما أن السلطنة تروج لمزاياها الجغرافية واهتمامها بجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الرئيسية. أشار التقرير إلى أهمية القوانين التي أصدرتها السلطنة مؤخرا في العام الماضي في جذب وتشجيع الاستثمار الأجنبي وتعزيز بيئة الأعمال في السلطنة، وهذه القوانين هي قانون الاستثمار الاجنبي، قانون التخصيص، قانون الإفلاس، قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وقانون الشركات التجارية. تطرق التقرير إلى الانتقال السلس للسلطة في يناير 2020 الذي طمأن العديد من المستثمرين الأجانب، و أكد على متانة الاستقرار السياسي في السلطنة الذي بدوره يعلب دور محوري في جذب وتشجيع الاستثمار الاجنبي. كذلك هو الحال بالنسبة للمراسيم السلطانية والخطابات الملتفزة الأخيرة التي رفعت الآمال بشأن سعي الحكومة الجديدة في المضئ قدما في دفع عجلة الاقتصاد والاستثمار في السلطنة وجعلها من ضمن الاولويات في أجندة الحكومة.

في المقابل سلط التقرير على التحديات ومخاطر الاعمال في السلطنة حيث أشار التقرير على انه بالرغم من تلك الجهود المبذولة من قبل حكومة السلطنة لتعزيز بيئة الأعمال والاستثمار إلا انه يتطلب لتحسين مناخ الاستثمار العام في السلطنة إلى معالجة التحديات المالية، وتنويع الاقتصاد و تقليل الاعتماد على النفط، كذلك فتح القطاعات الرئيسية أمام منافسة القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي. حسب التقرير، هذه الإجراءات أصبحت أكثر إلحاحا في أعقاب الأزمات المزدوجة لانهيار أسعار النفط وانتشار جائحة كوفيد 19 هذا العام. كذلك من بين التحديات والمخاطر في بيئة الأعمال بالسلطنة التي تطرق لها تقرير هذا العام هي البيروقراطية الكبيرة التي تواجه الشركات خصوصا الشركات الصغيرة التي ليس لديها خبرة داخل السلطنة أو وجود إقليمي، بالإضافة إلى التطبيق القاسي لحصص “التعمين”، حسب تعبير التقرير، بالإضافة إلى تأخيرات السداد للشركات.

 أوضح التقرير أهمية قانون رأس المال الاجنبي الجديد الذي يسمح بالملكية الأجنبية بنسبة 100 في المائة في معظم الأنشطة التجارية وإزالة الحد الأدنى لمتطلبات رأس المال الامر الذي يعزز الاستثمار الأجنبي المباشر، ويوفر سوقا مفتوحا بشكل فعال لجميع المستثمرين الأجانب في السلطنة. كما ان سياسة “القيمة المحلية المضافة” (ICV) التي تتبعها الحكومة تساهم في تحفيز الشركات، العمانية والأجنبية، على شراء السلع والخدمات المحلية وتوفير التدريب للعمانيين. في الوقت نفسه، يوضح التقرير أنه قد تجد الشركات الأجنبية الجديدة في السوق، بما في ذلك الشركات الأمريكية، أن متطلبات العطاء المتعلقة بالقيمة المحلية المضافة باهظة.

 تناول التقرير أيضا المبادرات الحكومية في تشجيع وترويج الاستثمار في السلطنة مثل إطلاق بوابة ” استثمر في عمان”  في نوفمبر 2019 تحت مظلة إثراء سابقا، وكذلك موقع “استثمر بسهولة” تحت مظلة وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار لتسجيل الأعمال عبر الإنترنت. بالإضافة إلى تأسيس مركز خدمات الاستثمار (ISC) ضمن وزارة التجارة والصناعة لربط الهيئات الحكومية ذات العلاقة بالأعمال والاستثمار في بوابة “استثمر بسهولة” ليكون بمثابة نافذة واحدة للشركات في عمان. ولكن في الوقت نفسه يشير التقرير إلى أنه غالبًا ما تتطلب قرارات التسجيل التجاري والتراخيص موافقة وزارات متعددة، مما يؤدي إلى إبطاء العملية في كثير من الحالات، كما تتداخل هذه الاجراءات مع مؤسسات حكومية آخرى مختلفة أيضا تشجع على الاستثمار في اختصاصاتها ولها بوابات الكترونية خاصة بها.

 أشار التقرير إلى أن لدى السلطنة قوانين ولوائح صارمة ضد الفساد حيث انضمت إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عام 2013، كما ان النظام القضائي في السلطنة مستقل وموثوق به، على الرغم من أن الإجراءات يمكن أن تكون طويلة وتتطلب العديد من الخطوات المطلوبة لبدء القضايا. كما أشار التقرير إلى أن السلطنة تتمتع بإطار قانوني وتنظيمي قوي نسبيًا لحماية حقوق الملكية الفكرية. على الرغم من ذلك يشير التقرير إلى ان أصحاب العلاقة قد يواجهون صعوبة في معرفة وتحديد الجهة الرسمية المسؤولة عن التحقيق في انتهاك حقوق الملكية الفكرية، مثل الهيئة العامة لحماية المستهلك، الإدعاء العام، وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ، وشرطة عمان السلطانية.

تناول تقرير مناخ الاستثمار 2020 أيضا جهود السلطنة في التشريعات والقوانين المتعلقة بالعمل والعمال لجعل بيئة الاعمال والاستثمار في السلطنة اكثر سهولة واكثر جاذبية، ومنها تصديق السلطنة على أربعة من المعايير الأساسية الثمانية لمنظمة العمل الدولية، بما في ذلك الاتفاقيات المتعلقة بالعمل الجبري الإلزامي، وإلغاء العمل الجبري، والحد الأدنى لسن العمل، وأسوأ أشكال عمل الأطفال. ويشير التقرير إلا أنه تظل هناك مطالبات لبذل جهود اكثر في هذا المجال خصوصا في الكشف عن الانتهاكات العمالية وردعها ومقاضاة مرتكبيها ، لذلك تعمل السلطنة على نقل نظام الكفالة للعمالة المعمول به حاليا إلى إلى نظام التوظيف القائم على العقود، كما أن شهادة عدم الممانعة (NOC) لن تعد تُطلب من العاملين عند الانتقال إلى عمل جديد.  

يلخص تقرير مناخ الاستثمار2020 انه من أجل تحسين مناخ الاستثمار العام في السلطنة يتطلب معالجة التحديات المالية، وتنويع الاقتصاد، ومعالجة البيروقراطية، وزيادة الشفافية، وزيادة التنسيق والتكامل بين الجهات المسؤولة عن الاستثمار، وكذلك تفعيل دور منظمات المجتمع وجمعيات القطاع الخاص في البيئة التنظيمية للاستثمار في السلطنة. ويمكن القول أنه إلى جانب تلك التحديات هناك فرص عديدة يمكن أن تجعل من السلطنة مركز مهم للاستثمار في الشرق الأوسط نتيجة للاستقرار السياسي والموقع الجغرافي المميز وتوفر الموارد الطبيعية والبشرية.