ناصر الحارثي يكتب: جماهيرية فن الشيلات.. الحكماني نموذجًا

ناصر الحارثي *

ظهر فن الشيلات في السنوات الأخيرة على الساحة الخليجية بشكل لافت للنظر ولتجذب ألحانه عدد كبير من الجمهور خاصة فئة الشباب، وهو ما أثار انتباه الكثير من المهتمين بالفنون، وعلى الرغم من أن الشيلة تعتمد على تأثيرات الموسيقى الداخلية في أصواتها إلا أن هناك معارضة كبيرة من قبل محبيها وناقديها على تسميتها “أغنية”، وذلك لأن عشاق الفن يعتبرونه نوعا من الإنشاد، في حين يعتبر نقاد الشيلات بأنها نوع من النشاز.

مع كل جيل تظهر أنواع مختلفة من الفنون سواء مستلهمة من التراث الشعبي أم مستوردة أو خليط بين هذا وذاك، وخلال المائة عام الماضية ظهرت فنون غنائية في الكثير من المجتمعات الشرقية والغربية وهو أمر طبيعي؛ فكل جيل يخلق لونا من الفنون بما يتناسب مع ظروف زمنه، وفي هذا السياق يَعتبر مسلم بن أحمد الكثيري بأنه من حيث المبدأ لا حدود جغرافية للفنون ويضيف: ” الأخذ والعطاء بين الشعوب والبشر عامة أمر محمود في جميع مجالات المعارف والمهارات لا يمكن وقفه! ونحن في الجزيرة العربية خاصة والعالم العربي عامة بيئة ثقافية واحدة بسبب اللغة والتاريخ، ولست مع إقفال الحدود أمام فنون الآخرين”، لذلك أستغرب من هذه الحملة الكبيرة في عمان ودول الخليج على هذا الفن وكأنه مؤامرة لتشويه التراث، إذ وصل إلى درجة وصفه بأنه “قالب مستورد يغزو الموروث”، وسواء كانت الشيلات ظاهرة فنية أم أنها لا تزال صيحة جديدة عند الشباب، إلا أنها فرضت وجودها ولها روادها ومستمعوها.

لماذا الشيلات؟

الشيلات لون إنشادي غنائي مميز سواء من ناحية الأسلوب والأدوات أو حتى من ناحية الألحان، فهذا اللون الفني استطاع أن يجمع بين ثلاثة عناصر منتشرة لدى مجتمعات البادية وهي الشعر والإنشاد والغناء، كما أنه استلهم ألحان الفلكلور الشعبي لدى المجتمع مع بعض التعديلات التقنية ليظهر فيها نوع من الحداء والمد وكذلك الإيقاع السريع الذي يلهب حماس الجماهير، كما تتميز الشيلات بقدرتها الفريدة على إبراز الحالة الشعورية التي يمر بها الشاب الخليجي وحالة التشظي بين إرث الماضي ومتطلبات الحاضر، فيظهر أسلوب التمرد على الماضي من خلال هذا اللون الفني المهجن وكذلك الحالة الشعورية التي يمر بها الشاب بين النزعة الوطنية وكلمات المديح والفخر في الشعر البدوي وبين أسلوب الحداء والإيقاع المتسارع في خليط فني يثير عواطف مستمعيه مما يدفعهم إلى الترديد وراء المنشد في غناء جماعي، ولذا تسمى “شيلة”، فالمنشد هنا هو من يرفع حماس الجمهور، وهذا اللون الفني يواكب العصر وتحدياته ويحاكي ألوانا غنائية ظهرت في عدد من المجتمعات في العقود الماضية مثل الكاريوكي في اليابان والتي لا تعتمد كثيرا الخامة الصوتية للمنشد أو المغني، حيث إن الآلات الغنائية كفيلة بتغيير صوت المغني بما يتناسب مع رغبات الجمهور، ولا أعتقد أن هناك فنا في الزمن الحالي يستطيع التعبير عن الحالة الشعورية والازدواجية التي يعاني منها شباب مجتمعنا بكل صراحة مثل فن الشيلات لذلك أعتقد أنه حقل يستحق الدراسة.

في عُمان … الحكماني نموذجًا

الفنون بطبيعتها عابرة للحدود فكيف الحال في منطقة يتشارك أفرادها اللغة والدين والقضايا الاجتماعية، لذلك لا غرابة أبدا أن يغزوا فن الشيلات الأسواق الخليجية وتتبناها المؤسسات السمعية والبصرية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال محاكمة فن معين بسبب اعتماده على منتجات رخيصة في الإنتاج، أو أن منشدي الشيلات أصوات مغمورة دخلت عالم الشهرة بسبب الشيلات، أو أن الشيلات لا تتناسب مع سمعة الأغنية الخليجية وكأن للفنون حراسا، بل هي نقاط بالعكس نقاط قوة لها، وأن الدعوة لمنع فن الشيلات هي محاولة لمحاربة حرية التعبير لا أكثر، وإذا ما تأملنا السياق العماني نجد ظهور عدد من الأسماء في الساحة العماني مثل جابر الحكماني وأسعد البطحري وغيرهم، ومع تأثرهم بالشيلات في منطقة الخليج إلا أنهم استطاعوا وضع لمسة خاصة بهم ، ليصل عدد مشاهدات شيلات جابر الحكماني في بعض مقاطعه لأكثر من مليون مشاهدة وهو رقم قياسي يعكس حجم الجمهور الكبير الذي يتبنى هذا اللون من الإنشاد، وعند تحليل الشيلات العمانية نجد أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع، النوع الأول هي الشيلات الوطنية كما نرى في “هطل المزون”، “ازفنوا بسيوفكم”، “يا عمان حن لك فداء”، “زين التواصيف”، والنوع الثاني المدح وهي تعد عادة بأسلوب الإهداء لأهداف تسويقية مثل “عيدية العيد”، “شيلة الصيرمي الشغموم” والنوع الثالث هي الشيلات الأدبية والتي تعكس حالة شعورية كالشوق والحب والفراق مثل “نسيم البر”، “شل صوت الحب”، “يا لطيف الصوت” ونجد في هذا النوع من الشيلات حالة من الحزن والاغتراب، مثل كلمات علي الراسبي التي أنشدها جابر الحكماني
قلبي اللي للفرح قابر … يرضف الوَنّه على الوَنّه

ولقد استطاع المنشد جابر الحكماني توظيف فن الشيلات في المجتمع العماني من خلال الخامة الصوتية التي يمتلكها وكذلك حسن اختياره للأشعار التي ينشدها، وكذلك قدرته على الدمج بين هذا الفن المستورد من دول الخليج وبين الألحان العمانية البدوية ليخلق لوحة فنية صنعت له قاعدة جماهيرية في كل من عمان ودول الخليج، أضف إلى ذلك الكاريزما التي يمتلكها والتي ظهرت جليا في برنامج زد رصيدك على قناة بداية.

الشيلات فن له متابعوه وعشاقه، ولكن في الآن ذاته ينقسم جمهور الشيلات على منصات التواصل الاجتماعي إلى قسمين: قسم يستمع له ويؤيده، وقسم يستمع إليه في الخفاء خاصة في الطريق مدعيا أنها تساعده على التركيز، ولكنه في الآن ذاته يستمع إلى الشيلات عدة مرات وفي عدة مناسبات وكأنه يخشى الاعتراف بميله لهذا الفن الجديد، كما أود تقديم رسالة إلى جمهور الأغاني الشعبية بأنه لا حرج في الاعتراف بوجود لون غنائي جديد يظهر في الساحة ويجذب أجيال الألفية الجديدة فلا داعي إلى هذه الحساسية المفرطة ومحاربته والمطالبة بمنعه، فليس الفن هو ما نقتنع به ويتناسب مع رؤيتنا للتراث بل الفن هو عمل جمالي عابر للحدود يأسر مجموعة من الجماهير وهي خصائص تنطبق على فن الشيلات.

*كاتب عُماني

m056058@gmail.com