صالح البلوشي يكتب: قيامة أرطغرل.. بين التاريخ والخيال الدرامي

صالح البلوشي

لم يحظَ مسلسل تاريخي بالشهرة والانتشار مثلما حدث مع المسلسل التركي الشهير “قيامة أرطغرل”، الذي عُرض في خمسة مواسم متتالية في كثير من القنوات التركية والعربية والعالمية.

ولأهمية هذا المسلسل، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة موقع تصوير المسلسل، والتقى الممثلين والفنيين، والتقط معهم الصور التذكارية، وأشاد بالجهود المبذولة لإنجاح المسلسل؛ مما يؤكد أهمية هذا العمل الفني والرسائل التي يهتم بتوصيلها للمشاهدين.

وقد استطاع المسلسل الذي يحكي سيرة “أرطغرل” خلال مواسمه الخمسة، محو الصورة غير اللائقة التي رسخت لها قبل سنوات قليلة بعض المسلسلات التاريخية عن الدولة العثمانية وسلاطينها.

ومن أسباب نجاح مسلسل “قيامة أرطغرل” أنه استطاع أن يقدِّم الشخصية الإسلامية التي قرأنا عنها في تاريخ الانتصارات الإسلامية على القوى التي كانت تحارب الإسلام.

وبدلا من المشاهد التي اعتاد المتابع العربي على مشاهدتها في الأعمال الدرامية، قدم المسلسل نماذج مختلفة تماما كان لها الأثر البالغ في نفوس المشاهدين؛ منها: مشهد جنود “أرطغرل” الأوفياء الذين سطروا أروع صفحات الوفاء، وبذلوا الغالي والنفيس من أجل قائدهم وهم يصلّون خلفه صلاة الجماعة بكل خشوع، وبعد الصلاة يدعُو الله أن يُوفقهم في جهاد النفس والانتصار على الصليبيين والمغول والمنافقين الذين توغلوا في داخل الدولة السلجوقية والقبائل، وكذلك عبارات التهليل والتكبير في المعارك، والمواعظ الإيمانية التي كان يقدمها العارف الصوفي الكبير محيي الدين بن عربي، في بعض أجزاء المسلسل لجنود “أرطغرل” الأوفياء عن الجهاد في سبيل الله، والصبر في مواجهة الشدائد، مستدلا بسيرة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه وصحابته وأهل بيته وشجاعة أبطال الإسلام في مواجهة قوى الكفر والطغيان.

كما أن الخطب الحماسية التي كان يلقيها “أرطغرل” عن عظمة الإسلام وأهمية القيام بنشر الرسالة في جميع أنحاء المعمورة وغيرها، كان لها الأثر البالغ في غرس حب الجهاد في قلوب الجنود.

كلُّ هذه المشاهد لعبت دورا كبيرا في إيصال رسالة إلى المتابعين بأن التمسك بالإسلام وهدْي النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- والالتزام بشعائر الدين، هو طريق المجد والسعادة للمسلمين نحو إقامة دولتهم العالمية والنجاة لهم في الآخرة.

ومن الجوانب الإيجابية في المسلسل: عدم التطرق أو حتى الإشارة إلى الخلافات بين المذاهب الإسلامية، بل كان أبطال المسلسل يذكرون دائما أنهم يسيرون وفق هدي الرسول -عليه الصلاة والسلام- وكانوا يذكرون دائما اسميْ علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، كرمزين كبيرين للشجاعة والإقدام، ويبدو أن هذه رسالة سياسية بأن الأمة الإسلامية لن تنتصر في معركتها ضد كل ما يهدد وجودها إلا بالوحدة وترك الخلافات المذهبية جانبا.

وإلى جانب النجاح الكبير الذي حققه المسلسل -الذي تدور أحداثه في القرن الثالث عشر الميلادي في زمن الدولة السلجوقية بآسيا الصغرى (1077-1307)- فقد تضمَّن بمواسمه الخمسة أخطاء تاريخية كبيرة جدا عن بعض الشخصيات؛ منها: شخصية الوزير سعد الدين كوبك، الذي كان الوزير الأول في الدولة السلجوقية في زمن السلطان علاء الدين كيقباد، ثم ابنه غياث الدين كيخسرو الثاني، وكان إلى جانب الخدمات التي قدمها للسلاجقة له أخطاء كارثية أيضا، ولكن نهايته في المسلسل كانت مخالفة لأقوال المؤرخين، حيث لم يقتل على يد “أرطغرل” في كمين نصبه له في الغابة كما جاء بالموسم الرابع من المسلسل؛ وإنما قُتل كما يقول مؤرخ الدولة السلجوقية يحيى بن محمد ابن البيبي (ت 1272هـ) في كتابه “أخبار سلاجقة الروم” (ص:259) في قصر السلطان غياث الدين كيخسرو الثاني بن كيقباد بسبب قيامه بقتل أكابر رجال الدولة ودخوله على السلطان بسيف الحمائل؛ مما جعل السلطان يأمر أمير الحرس “قراجه” بقتله بشكل سري.

كما أن كوبك لم يقتل السلطان علاء الدين كيقباد بالسم كما جاء في المسلسل، وقد ذكر الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه “تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى” (ص:273)، أنَّ كيقباد توفي بعد أن أقام حفلا كبيرا دعا إليه أمراء الدولة وقادتها، وأثناء الاحتفال أفرط خلاله في الشراب وراح يتباهى بما أعطي من الملك، وبعدها شعر بألم في أحشائه وظل يتقيأ دما وأصيب بالإسهال الحاد ممزوجا بالدم أيضا، فانهار جسمه فورا وتوفي في نفس اليوم، وفي رواية أن ابنه كيخسرو قام بدس السم له؛ لأن كيقباد لم يعينه وريثا له، وفضل عليه أخاه الأصغر عز الدين كيكاوس ابن الأميرة الأيوبية.

ولم يثبُت تاريخيا أن “أرطغرل” التقى بالعارف الصوفي محيي الدين بن عربي، ولا أنَّ الأخير زار قبيلة “كايي” التركية التي ينتسب إليها “أرطغرل”، أو جلس في ضيافتها، إضافة إلى ذلك فإن المسلسل بالغ كثيرا في الدور الذي قام به “أرطغرل” وقبيلته “كايي” في مقاومة المغول والصليبيين.

ويرجع بعض الباحثين التاريخيين سبب المبالغة الدرامية في هذا المسلسل إلى نُدرة المعلومات التاريخية عن هذه الحقبة التاريخية، خصوصا ندرة المعلومات عن “أرطغرل”؛ مما جعل الطابع الدرامي الخيالي يتغلب في المسلسل على الجانب التاريخي.

زاوية أخرى من زوايا المبالغة الدرامية ظهرت في عرض مشاهد قطع الرؤوس، الذي اعتبره كثير من المتابعين “مشاهد مقززة”، مُستنكرين الجملة التي كان يرددها “أرطغرل” بشكل دائم خلال المواسم الخمسة، ويهدد فيها بقتل كل من يخالفه، هذه الجملة هي: “أنا قائد الحدود -وأحيانا قائد القبيلة- وكل من يخالفني سأقطع رأسه”.

ومن القضايا التي تطرق إليها المسلسل بمواسمه الخمسة: دور النفاق والمنافقين السلبي في محاولة تفكيك الجبهة الداخلية للدولة السلجوقية التي كان “أرطغرل” يحارب تحت لوائها، وكذلك داخل القبائل التركية التي كانت تحارب المغول والصليبيين، وقد استعرض المسلسل عدة نماذج للنفاق؛ ومنها:

– مواقف سعد الدين كوبك، الذي استغل منصبه كوزير للدولة السلجوقية من أجل التواصل مع المغول وزرع الفتن بين القبائل؛ بهدف أن يكون سلطانا للدولة.

– مواقف الطامحين الذي يُريدون الانقلاب على رؤساء القبائل للوصول لكرسي إدارة القبيلة؛ مثل: “كورد أوغلو” الذي كان مُتحَالِفا بالسر مع فرسان المعبد؛ بهدف الوصول إلى رئاسة قبيلة “كايي” بدلا من سليمان شاه والد “أرطغرل”.

– مواقف الجندي البسيط الذي لم يُوضِّح المسلسل أهداف خيانته مثل “كوجاباش”، الذي كان يكشف خطط قبيلتي “كايي” و”الدودورغا” لقادة المغول… وغيرهم.

وأخيرا.. فإنه وبغضِّ النظر عن الملاحظات التاريخية الكثيرة على المسلسل، فإنه استطاع أن يجذب مئات الملايين من المشاهدين في مختلف الدول، وهذا الإعجاب بالمسلسل دفعهم أيضا إلى متابعة مسلسل “قيامة عثمان” الذي يتحدث عن نجل “أرطغرل” الأصغر، الذي يسير على نفس درب أبيه ويستكمل رحلته في محاربة المغول، نحو بناء الدولة العثمانية، التي مهما اختلف المؤرخون عليها فإنها استطاعت طوال أربعة قرون أن تجمع غالبية المسلمين في دولة واحدة قوية، وحماية العرب والمسلمين من الغزو الاستعماري.