أحمد بن سليمان الكندي
أعشق الصباح في نخل، ماء رقراق، ونخيل باسقات، وجبل أشم، هدوء إلا من أنغام الطيور، وصمت إلا من جلبة جريان الماء على حجر الصوان، وغفلة من أهلها إلا من جمال حاضر لا يبارح تلابيب المكان، وحين تكون في نخل وتصل إلى غريضها وثوارتها وواديها فإن مفردات الجمال فيها تدعوك للتأمل في تآلفها معاً لوحة غناء تأخذ بالألباب، فمن بين منعرجات جبال الحجر الشامخة ينسل وادي الحمام منحدرا إلى علاية نخل، مستقبلا قبلة حبلى بأنوار العلم والايمان، وقرية ضاربة بجذورها الطيبة في أعماق التاريخ، ولأن مقام نخل بعرصاتها الماجدة وعلمائها الزهر الكرام وأهلها الأخيار أشرف من أن يلقاها الوادي بجلاميده الضخمة وجداوله الماحلة، فإنه سرعان ما يستبدل جلاميده بحصباء تغطي صوانه القاسي، وأما جداوله الماحلة فإنه يطلب لها مدداً من قرينته عين الثوارة، التي تثعب من أسفل ذلك الجبل الأشم، فتهرع إليه بنهر ماء رقراق، عذب فرات ، ليس بالحميم الساخن، ولا بالآسن الفاتر.
وفيما تتغافل أميرة ذاك الغيل (عين الثوارة) عن عيون أخرى ليتكون منها لاحقا فلج الغريض، يتهادي وادي الحمام بمائه الدافق مستقبلاً محلة الغريض فيتسع أبطحه ويفصح عن أرض مخضبة بالعشب الأخضر النضير، وتتسامق أشجار النخيل عاليا على ضفتيه مفسحة لأشجار الأمبا والليمون والزيتون أن تظهر كالغواني خجلى من عيون الناظرين، وأما شجر الكيذاء فقد كان أيقونة ذاك الجمال وعنوانه الصريح، وكان يتموضع على زاوية خاصة على ضفة الوادي فيعطي الاثنان معا جمالا توئميا يضفي على المكان روعة لا تنسى، ويكتمل المشهد برائحة زهرة الكيذاء الفواحة التي تضفي على المكان من عبقها ما يبهج النفس ويؤنس الخاطر. ومتى ما تضوع المكان بشذاها وملأ الوادي عبيرها فألق يا صاح عصاك وانتشي طربا وآنس لنفسك بهجة وحبورا.
ونحن في أكناف نخل وفي غريضها وثوارتها وواديها ، فإن المكان لم يزل يمتشق شخوصاً لها في الذكرى حضور لا يغيب، ولم تزل جنباته تختزل أناسا طبعوا بأرومتهم وسجاياهم الطيبة آثاراً لا تنسى، فكان ” الراقي” – يرحمه الله – رجلا لم تتركه السنون حتى طبعت عليه من أثقالها، ولم تدعه تصاريف الحياة حتى أثخنته بجراحها، وكان “سادناً” لشجرة الكيذاء، يذب عنها، ويرعاها، ويتولى قطافها، وكان كثيراً ما يحذينا من زهورها فنطير فرحاً إلى أمهاتنا لنقاسمهن ذلك الأريج الفواح، وحين يسدل الليل ستاره على تيك المرابع فإن لسمّار الوادي وجلسائه نصيبا من زهور الكيذاء العطرة، وكأني أنظر إلى الراقي بائعاً حاذقا يتنقل بين تلك المجالس بعفويته المعهودة، وأحاديثه المعسولة فلا يلبت أن يبيع ما لديه من تلك الأكواز الزكية، ولم تلبث كيذاء نخل أن تصرمت بتصرم الأيام وتقادم الزمان، فاستأذنت مرغمةً على الرحيل واديها، وفارقت عنوةً غيلها وساقيها، وودعت حسرةً أهلها وبنيها، فاستلت بعذر التطوير من مبضعها، وأسلمتها جراراته إلى نهاية مضجعها، فلم يدر بعد ما هي، ولم تقم لها قائمة.
واليوم وفي تلك المقامات الماجدة، وقبل أن يودع وادي الحمام غريض نخل منحدرا إلى محلة الصفا، وفيما يشكل غيله فلجا ينساب متسارعاً نحو سفالة نخل نجد مقهى( كيذا كافيه) لصاحبه الفتى الجابري، الذي انبرى بهمته العالية ونشاطه المتقد ليعيد ذكرى شجرة الكيذاء، وليؤسس حضوراً معنويا لها سلواناً لمن لم يزل يذكرها، وتعريفاً لمن كان يجهلها ، وما بين الأمس واليوم تبقى شجرة الكيذاء حاضرة في نخل وفي غريضها وثوارتها وواديها، فاذا كنت هناك فادلف إلى مقهاها، وخذ مقعداً عند مثواها، وتنسم في قهوتك طيب شذاها، واسأل الوادي عن نخل وعن كيذاها .
