منظومة مكافحة الفقر.. وقفات ومقترحات نحو وعي وطني

الباحث/ زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي

من القضايا الاجتماعية ذات الطابع الاقتصادي التي تشغل بال كثير منا كعمانيين وعمانيات في هذا الوطن العزيز هي ظاهرة الفقر ، فالمجتمع العماني حاله حال كثير من المجتمعات الإنسانية في العالم يحوي نسبة من حالات الفقر، وهذا ليس بدعا من الأمر وليس عيبا في حد ذاته، فالاختلاف والتباين والتفاوت بين البشر في الجانب الاقتصادي و مستوى الحياة المعيشية سنة من سنن الله في هذه الأرض تحقيقا لعدد من المقاصد الدينية و السلوكية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية الإيجابية ليحصل بذلك التكامل والتعاون الإيجابي البناء بين البشر وفق منظومة التوازن الاجتماعي من أجل تحقيق شبكة أمان اجتماعي فاعلة في المجتمع ، فيستشعر الغني في قرارة نفسه بالمعاناة المادية والنفسية للفقراء فيشكر الله على نعمة الغنى التي أنعمها المنعم جل جلاله عليه فيعطف على الفقير والمحتاج لتغيير حالته المالية و المادية وواقعه الاجتماعي وواقعه الاقتصادي المعيشي نحو الأفضل والأكمل فيحصل بذلك تطبيق مبدأ التكافل الاجتماعي والعدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد ، كما أنه في الجانب المقابل يستشعر الفقير الفرحة النفسية إزاء الأغنياء الذين ساهموا في تغيير واقعه المعيشي الاجتماعي والاقتصادي فتسود بذلك مبادئ التآلف والتراحم والوحدة الإنسانية، و تعم مبادئ السلم والأمان الاجتماعي، والحماية الاجتماعية، والأمن الاقتصادي بين أبناء المجتمع المتماسك.

وقبل البدء في ايجاد حلول عملية لعلاج مشكلة الفقر في المجتمع لاجتثاث تلك المشكلة من جذورها ومنابعها من الواجب أولا أن ندرس الأسباب الحقيقية الواقعية لمشكلة الفقر في المجتمع، لنتمكن من تشخيصها تشخيصا دقيقا وفقا لنظرة اجتماعية واقتصادية فاحصة وعميقة تمككنا من وضع المقصل على المفصل ، ومن بين تلك الأسباب الظاهرة التي قد تساهم في انتشار معدلات وحالات الفقر في المجتمع نذكر التالي:

١.وجود حالات الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وحالات الاضطرابات النفسية، وحالات التخلف العقلي لدى بعض الأسر ، وهذه الحالات كون بعضها حالات غير منتجة وغير قادرة على العمل بحاجة لدعم مالي مستمر.

٢. وجود حالات مرضية مزمنة وخطيرة ومستعصية لدى بعض الأسر، تكلف تلك الأسر مبالغ مالية للعلاج مما تؤدي لانخفاض مستواها المعيشي.

٣.ازدياد عدد الباحثين عن عمل، وبالتالي وجود طاقات معطلة لا تساهم في عملية الإنتاج والنمو الاقتصادي .

٤. حالات التسريح من العمل، وهذه الحالات قد تجد نفسها مضطرة للحصول على مساعدات مالية أو مادية لإعالة نفسها أو عائلتها .

٥. وجود حالات لادمان المخدرات والمسكرات والمؤثرات العقلية تؤثر على الدخل المالي لبعض الأسر وتعطل الطاقات الإنتاجية، وتحتاج هذه الظاهرة لبحث منهجي لمعرفة حجم وتأثير هذه الظاهرة على نمو حالات الفقر في المجتمع.

٦. ضعف مخرجات التعليم لدى بعض الأفراد و الأسر، مما يؤدي بأفراد الأسر لعدم الحصول على عمل، وبالتالي عدم وجود تغير ونمو اقتصادي إيجابي في معدل دخل الفرد أو الأسرة ، وعدم تحسن في المستوى المعيشي لفترات طويلة .

٧.ضعف عملية البحث الاستقصائي الاجتماعي لمعرفة حالات الأفراد والأسر الفقيرة والمحتاجة.

٨. ضعف ثقافة الأولويات في مجال الإنفاق الخيري في مجال مكافحة الفقر.

٩. عدم تحمل بعض الأفراد و مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات القطاع الخاص لمسؤولياتهم الاجتماعية وإلقاء كامل العبء على كاهل الحكومة الرشيدة وحدها في مجال مكافحة الفقر .

١٠. ضعف رواتب التقاعد لدى بعض الفئات في المجتمع، خاصة بعض الفئات التي تعمل في القطاع الخاص ذات الدخول والدرجات المالية المتدنية.

١١. التباين في معدلات الرواتب لبعض الفئات ذات الدرجات المالية الدنيا.

١٢. ضعف ثقافة التعامل مع الحالات المالية الطارئة، والإنفاق والاستهلاكي والترفي غير المبرر لدى بعض أفراد المجتمع، وتبني ثقافة الاسراف والتبذير والبذخ مع ضعف ثقافة الادخار والاستثمار.

١٣. ضعف برامج المسؤولية الاجتماعية لدى الشركات الاقتصادية في مكافحة ومعالجة مشكلة الفقر في المجتمع وتخفيف وطئته.

١٤. عدم كفاية معاش الضمان الاجتماعي لدى بعض الأسر نتيجة لارتفاع معدلات التضخم، وغلاء الأسعار مع زيادة متطلبات الحياة المعيشية التي تقع على كاهل الافراد و الأسر.

١٥. وجود حالات الطلاق التي تؤدي إلى تفكك الأسر، وفقد العائل مما يزيد عبء الإعالة على مؤسسات الدولة.

١٦. سوء إدارة المال الخاص، وتراكم الديون لدى بعض الأفراد من خلال عدم دراسة الجدوى الاقتصادية للمشاريع الخاصة بصورة واقعية، ومن خلال اقتراض الفرد غير الرشيد وغير الحكيم والمبالغ فيه من مؤسسات الاقراض المصرفية كالبنوك وشركات التمويل.

و هذه كلها عوامل من وجهة نظرنا قد تساهم في اتساع خارطة الفقر في المجتمع.

وبناء على جميع تلكم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية ولتحقيق غايات ومقاصد ايجابية تسهم في تغيير ذلك الواقع نحن بحاجة ماسة لتبني المنهجية العلمية المنظمة لمكافحة حالات الفقر في المجتمع العماني مكافحة فعالة تؤتي ثمارها الإيجابية في تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي ونمط المعيشة لدى هذه الفئة المهمة في مجتمعنا العماني والتي نكن لها جميعا مشاعر الود والتقدير والاحترام والتعاطف النفسي.

و هناك مقترحات كثيرة لمكافحة منظومة الفقر في المجتمع تهدف للحد من معدلات الفقر وتأثيراته السلبية على الأفراد والأسر، ونذكر من بينها :

١. تبني دراسات اجتماعية واقتصادية علمية استقصائية ومسحية ذات طبيعة إحصائية من قبل مؤسسات التخطيط الاستراتيجي: فمن خلال تلكم الإحصائيات والبحوث الاجتماعية والاقتصادية الدقيقة سنستطيع وضع خطط وبرامج واستراتيجيات قصيرة وطويلة المدى ذات طبيعة تخطيط منظمة وعلمية وممنهجة لمكافحة ظاهرة الفقر في المجتمع وفق قاعدة بيانات رقمية دقيقة، فمجرد تبني منهجية الوصف الظاهري لحالات الفقر في المجتمع بدون وجود أسس ومعايير واضحة لتحديد وتصنيف الفئات الفقيرة و الاعتماد على المنهج الوصفي البعيد عن الدلالات الإحصائية والبحث الرقمي الاستقصائي المسحي لم يعد مجديا وكافيا في واقعنا المعاصر لتشخيص معدلات الفقر و تحديد مؤشر دقيق للفقر في المجتمع.

٢. غرس وتعزيز ثقافة الاقتصاد السلوكي : فبجانب تفعيل دور المؤسسات البحثية المعنية بمجال مكافحة الفقر، نحن بحاجة أيضا كذلك للتركيز على تعزيز ثقافة وتطبيقات الاقتصاد السلوكي Behavioral economics، الذي يتعلق بسلوكيات اتخاذ القرار السلوكي الاقتصادي الصحيح لدى الأفراد والجماعات بناء أسس عقلية ومنطقية سليمة وحكيمة مبنية على الاحتياجات الفعلية وسلم الأولويات، وفي هذا الصدد ينبغي غرس ثقافة الاقتصاد السلوكي الحكيم لدى الأفراد والجماعات في المجتمع، تلك الثقافة التي ستمكنهم من اتخاذ قراراتهم الاقتصادية الصائبة بحكمة وروية وتعقل وبمنطق تحليلي بعيدا عن العواطف المندفعة التي قد تؤثر سلبا على تلكم القرارات الشخصية، كما ستمكنهم تلك الثقافة من التعامل بحكمة مع الأزمات الاقتصادية المعيشية الطارئة التي قد يواجهونها نتيجة لمؤثرات داخلية أو خارجية، كما ستمكن تلك الثقافة الأفراد والجماعات من الابتعاد عن سلوكيات الإنفاق الخيري العشوائي غير المنظم، من خلال استبدال تلك السلوكيات بالإنفاق الخيري المنظم القائم على مراعاة وتطبيق مبدأ الأولويات وتقديرات الاحتياجات الفعلية الحقيقية في مجال الإنفاق الخيري.

٣. عمل مراجعة شاملة لمنظومة الضمان الاجتماعي: من خلال تطوير هذه المنظومة والتي تشمل: اجراء تعديلات تنظيمية جذرية على قانون الضمان الاجتماعي، دراسة امكانية رفع سقف معاشات الضمان الاجتماعي وفقا لأسس واضحة تراعي مستوى المعيشة الفعلي ومستوى التضخم، وجود أسس واضحة لتحديد وتصنيف فئات الضمان الاجتماعي، وتحديد مؤشر واضح للفقر في المجتمع، تطوير منظومة الاستثمار المتعلقة بالضمان الاجتماعي لخفض الاعتماد على التمويل الحكومي، وتأهيل فئات الضمان الاجتماعي وذوي الدخل المحدود لتكون فئات منتجة قادرة على اعالة نفسها ، وايجاد فرص عمل وظيفية ذات دخل ثابت لها لتتمكن من الخروج من مظلة الضمان الاجتماعي.

٤. تطوير منظومة الزكاة: لتعمل بشكل متكامل مع باقي المنظومات الاجتماعية في المجتمع الحد من ظاهرة الفقر في المجتمع.

٥. تطوير منظومة الوقف الخيري: من خلال إنشاء مؤسسات وقفية خيرية متخصصة في مكافحة الفقر وفقا لمبدأ التنمية المستدامة.

٦. وضع قانون ولائحة تنظيمية حول المسؤولية الاجتماعية، تنظم هذا الجانب وتضع له التشريعات والأنطمة التي تكفل له العمل بفاعلية في مجال مكافحة الفقر.

٧.وضع قانون ولائحة تنظيمية للجمعيات والفرق الأهلية الخيرية : تحدد صلاحياتها واختصاصاتها وأهدافها وآلية عملها تحديدا دقيقا، للتقليل من التباين في أنشطتها الخيرية على مستوى الولايات مما يحقق مزيدا من التكامل في العمل الخيري ، وللتقليل من الازدواجية في عملها مع باقي المؤسسات الحكومية ذات العلاقة بالأعمال الخيرية في المجتمع المنوطة بها مكافحة الفقر في المجتمع، ولتحقيق مبدأ الحوكمة في عمل مثل هذه المؤسسات الخيرية.

ختاما، من الجدير بالذكر أن نذكر باعتزاز جهود وزارة التنمية الاجتماعية الموقرة، وإسهامات بعض الفرق الخيرية في مختلف ولايات السلطنة التي بدأت بحمد الله بعملية تنظيمية لمجال الإنفاق الخيري من خلال تبني مشاريع وأوقاف خيرية منظمة ودائمة وقائمة على قاعدة بيانات إحصائية مخصصة لهذا الغرض، وكذلك نذكر أيضا بمزيد من التقدير لجان الزكاة في الولايات التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية ، والمؤسسات والشركات في القطاع الخاص التي تساهم اسهاما إيجابيا في مجال المسؤولية الاجتماعية، فكل هذه المؤسسات والكيانات في مجتمعنا العماني تهدف لبناء مجتمع متكافل ومتراحم تسود بين أفراده روح الإخاء والتسامح، والتآزر والتعاون وحب مساعدة الغير والعطف على الفئات المحتاجة كقيم انسانية وأخلاقية سامية و نبيلة وثابتة و راسخة رسوخ الجبال في واقع مجتمعنا العماني، لذا فالنعمل جميعا يدا بيد حكومة ومؤسسات وأفراد وجماعات لمكافحة ظاهرة الفقر في مجتمعنا وفقا لرؤية علمية تستشرف الواقع و تنظر إلى مستقبل مشرق،حفظ الله أمن عمان الاجتماعي، وحفظ اقتصادها الوطني، وسلطانها المفدى، وشعبها العظيم.

*الصورة من موقع محرك البحث العالمي (جوجل).