أخصائية اجتماعية عُمانية تشرح دوافع عدم الالتزام بالتباعد الجسدي

مسقط- شؤون عمانية

  تكثر النقاشات والتوجيهات حول التباعد الاجتماعي، وفعاليته في تخفيف منحنى الضغط على المؤسسات الصحية على المستوى الجمعي، أو تقليل احتمالية الإصابة به على المستوى الفردي، وتتسم غالبيتها بالطابع الإرشادي والوصائي التخصصي أو الترهيب القانوني أو الاستعطاف الحكومي، وفي الوقت ذاته تدور نقاشات أخرى حول عدم التزام الناس بتلك الإرشادات، وزيادة عدد الحالات المصابة والمرقدة في العناية المركزة في زمن قياسي، ويتم تراشق التهم بين الأطراف المختلفة دون وصول إلى النتائج المرجوة.

 من هنا أشارت ابتهاج الميمنية اخصائية اجتماعية بمستشفى المسرة لا نهدف إلى صياغة إرشادات أو التوعية بطرق انتشار فيروس كوفيد 19، ولكننا نقديم رؤية تحليلية متواضعة حول الدوافع والظروف التي أوصلتنا إلى مثل هذه النتائج؛ ظنّا منا أن أسلوب التحليل يخاطب الجانب الفردي للأفراد، ويحرك “الإدراك”، وهو أساس أي سلوك.  فإننا نفترض أن ليس هناك فرد لم يصله صوت الدولة والعالم عن الفيروس وطرق انتقاله والإرشادات الوقائية لتجنبه. نعتقد أن مشكلتنا ليست في المعرفة، وإنما في “التكيّف” مع التغييرات الجديدة التي تم فرضها.

 استطرت الميمنية في حديثها هناك عدة دوافع بعدم الالتزام بالتباعد الجسدي منها:

  1. دوافع وجدانية وفكرية

أ-الاستحقاق:

يعتقد كل فرد منا أن من حقه الاستمتاع بحياته، وأن له حق تقرير مصيره في الحياة أو الموت أو المغامرة، وأن تكون له مساحة كافية للاستمتاع وقنوات اجتماعية يحقق فيه احتياجاته ورغباته، وظهور تشريعات “التباعد الاجتماعي” تحد من حريته في ذلك.

ب-الحيرة والتضارب في المعلومات:

بسبب تجدد المعلومات حول الفيروس، وكثرة الإشاعات والأخبار والدراسات ومواقف المؤسسات الصحية والجهات المنظمة لها بين تشديد وإرخاء وبين تأييد وتفنيد، أصبح الإنسان في حالة من الفوضى وعدم القدرة على الحكم وإتخاذ موقف حاسم في حدث يتسم بالتسارع كهذا المرض، فيتأرجح بين التشديد خوفا من إصابته، والتهوين – بدعوى أنها مؤامرة على مصالحه، ومن هنا تختلف الاتجاهات ودرجة المسؤولية وشدة إلحاح الالتزام.

كما أن الاختلاف حول الإجراءات الوقائية، كالكمامات وطرق انتقال الفيروس، له دور في التشكيك في مواقف الأفراد اتجاه المعلومات الصحية مثلا: منذ بدء الأزمة كان التوجه بعدم لزوم ارتداء الكمامات لعدم فعاليتها سوى للراعيين والعاملين الصحيين في الخط الأول، ومن ثم أصبح إلزاميا في الحياة الاجتماعية العامة، كما ظهور دراسات عن احتمالية أن المرض ينتقل عن طريق الهواء بدلا عن السوائل والرذاذ، جعل الناس تختلف في مواقفها اتجاه المرض وثقتها بفعالية الإجراءات الرسمية.

ج-الاعتقاد ببعد المرض:

ينتهج الناس سلوكيات مهونة للمرض؛ اعتقادا منهم أنه بعيد عنهم من حيث “دائرة العلاقات” و”المنطقة الجغرافية”، وثقتهم بمحيطهم بأنه يخلو من المرض.

د-رفض خطاب الوصاية أو الترهيب

يميل الناس غالبا إلى تجنب لغة الترهيب والوصاية التخصصية، حيث يميل كثير من المتخصصين إلى مخاطبة الجمهور بأنه “المتخصص” الذي من حقه وحده التحدث عن المرض، حيث يراه الناس أنها “فرصة للصعود والوصاية” ليدخل “المجال العام” حتى لو كان ما يقوله صحيحا أو نيته بعيدة عن الصعود على الموجة، كما أن الناس حساسة اتجاه كل ما يحاول توجيهها، فهي تصبه في خانة التضليل والسيطرة حتى لو كان يتوافق مع مصلحتهم، وللأسف يستخدم بعض المتخصصين والقانونيين هذه اللغة بوصاية أو الترهيب أو الاستعطاف والاستجداء المؤسسي وهي ما تنفر الناس منهم وتتخذ موقفا عكسيا.

  • دوافع اقتصادية
  • التهديد الاقتصادي وتضارب المصالح

لا ينكر غالب الناس الأزمة الاقتصادية التي خلفتها الإجراءات الاحترازية من عزل وحظر ومنع الأنشطة الاقتصادية، وهذا ما جعل الأوضاع الاقتصادية لبعض الناس تتردى، فأصبحوا أسرى للديون وتراكم الالتزامات، ومنهم من أصبح اعتماديا على الآخرين في احتياجاته بعد أن كان مستقلا، كما اضطرت بعض المؤسسات بتقليل الرواتب ومنهم من تم تسريحه، ومن هنا تأتي المطالبات بإنهاء الإجراءات الاحترازية، وإشاعة التوجهات القائمة على تهوين المرض بسبب عدم وجود بدائل اقتصادية تفِ احتياجاتهم أو تحافظ على وضعهم المهني.

      ب-تقييد التنقل والحركة

تبع تفشي المرض تقييد الحركة الدولية برا وبحرا وجوا، وهذا ما أدى إلى تضارب مصالح الحرفيين الذي يعتمدون على الشحن، والتنقل بين الدول، كما أن الإنسان أصبح محكورا في مكانه وبعض الأحيان في محافظته، وهذا ما يجعله لاشعوريا يحاول الرجوع إلى وضعه الاعتيادي ” الحركة والتنقل”.

ت-التضخم الاقتصادي وغلاء المعيشة

تلت إجراءات الحظر وتقييد الحركة وإغلاق المناطق المركزية لبعض الأنشطة إلى التضخّم في أسعار الاحتياجات اليومية كالمؤن، وكذلك الكمامات والمعقمات فأصبحت أسعارها مبالغة (في مدة ما) وليست في متناول اليد، مما يجعل المستهلك يشكك في الإجراءات الاحترازية.

ث-الظروف السكنية

كثير من الأسر العمانية تسكن في عائلات ممتدة حتى بعد الزواج، قد يصل إلى وجود أكثر من 10 أفراد في منزل واحد، وبعض الأحيان يعيشون في غرف مشتركة، وهذا ما يجعل التباعد الاجتماعي صعبا، وتوسع دائرة العلاقات السكنية والأقارب من الدرجة الأولى.

وإذا ما جئنا للعمالة الوافدة، نرى أن كثير من العمال المصابين يفتقدون إلى ظروف سكنية مناسبة وضعف في الأحوال المعيشية مما يجعله يعيش في غرفة مكتظة مع رفاقه العمال.

  • دوافع اجتماعية
  • مصطلح “التباعد الاجتماعي”

يعد مصطلح “التباعد الاجتماعي” مصطلحا مضللا نوعا ما، حيث يوحي بالتباعد في العلاقات، حيث استخدام “التباعد الجسدي” يعد أفضل، حيث أنه يوحي ببدائل في التواصل عن طريق التكنولوجيا مثلا.

ب-الفجوة التكنولوجية بين الأجيال والمناطق الجغرافية

على الرغم من وجود فكرة بديلة للتواصل وتعزيز العلاقات عن طريق التكنولوجيا (السمعية والمرئية) للحفاظ على موقف “التباعد الجسدى” – توجد بعض المعوقات لذلك، حيث لا يكتفِ البعض بالتواصل الافتراضي، وذلك لأسباب ثقافية، وهناك أيضا فجوة بين الأجيال في الاستعدادات لقبول المعرفة والمهارات التكنولوجية، وهذا يجعلهم متطلبين بالتواصل والحضور الجسدي كواجب اجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، هناك مشكلة في البنية التحتية للاتصالات في بعض المناطق الجغرافية والتي تعسر التواصل التكنولوجي.

ج- الإيحاء الاجتماعي لفتح الأنشطة الاقتصادية

يعد فتح الأنشطة الاقتصادية بمثابة “الفرج”، ويوحي بـ “الإباحة”، و”التنفيس” بعد توقف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والاستهلاكية – على الرغم من التشديد على الإجراءات الاحترازية ووضع عقوبات مغلضة على المخالفين.

      د-قلة قنوات الرفاه الاجتماعي

يعد غلق الأماكن الترفيهية والأماكن المفتوحة تهديدا لبعض الأشخاص، فهناك أفراد لهم “عادات يومية” كالرياضة، كالخروج مع الأصدقاء أو مفردا إلى أماكن معينة. والغلق يعد تهديدا لروتينهم اليومي وعاداتهم الاجتماعية. وتعد العادات الترفيهية موضوعا أساسيا لكثير من العلاقات الاجتماعية، لما لها دور في تعزيز التواصل وتقليل الكبت والتوتر، ويعد غيابها غيابا للعلاقات برمتها. كما يعدها البعض مؤشرا للاستقرار والرخاء، وغياب الرفاه في حياتهم مؤشرا لعدم الاستقرار.

هـ- تضارب المصالح الاجتماعية

يعد الحظر والغلق مهددا لحركة الحياة الاجتماعية والتي جُبِل عليها الناس “أنها كائنات اجتماعية”، حيث يرى البعض أن لا بديلا لممارسة الحياة الاجتماعية سوى “التجمعات” و”الزيارات” و”أداء واجب الفرح والعزاء بالحضور الجسدي” و”عادات جسدية معينة في التحية والتقدير والاحترام”. كما أن البعض – طوال مدة الحظر –  يشعر بالقلق حول مصيره ومستقبله من الناحية “الاجتماعية” – من حيث الارتباط والزواج. وفي المقابل، يرى الآخرون أن مدة الحظر هي فرصة لتقليل التكاليف، حيث سيتم الزواج بدون تجمعات وتكاليف العرس.

      د- تهديدات صحية:

يرى البعض أن العزل والمكوث في المنزل وإغلاق بعض الأماكن المفتوحة والأندية الرياضية سببا في التدهور الصحي، ولاسيما اشتكاء الكثير من الناس من زيادة الوزن بسبب الحظر والتنفيس عن التوتر بالطعام.

كما أوضحت ابتهاج الميمنية تتعدد الدوافع وأولويات وتوجهات كل فرد في الالتزام بالإجراءات الاحترازية بشدة إلحاحه عليها أو تهوينها، وفي المقابل هناك إجراءات قانونية ملزمة مسؤول عنها كل فرد في حال مخالفته، ولتقليل الفجوة ما بين الدوافع التي تمنع الفرد للالتزام وبين الإلزامية القانونية المنظمة للمجتمع، نقترح بعض المبادئ التي تقرب وجهات النظر والمواقف بين المشرّعين والمتخصصين وبين الجمهور:

  1. تخفيف لغة الترهيب والوصاية التخصصية بين الطرفين في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في مناقشة الإجراءات الاحترازية، وتجنب نعت الآخر “بالاستهتار” وإلقاء اللوم على طرف دون آخر “الكل مسؤول”، ومناقشة الموضوع بطريقة علمية غير متحيزة بعيدا عن الصوت العالي والوعيد.
  2. السعي لإيجاد بدائل اجتماعية واقتصادية للفئات المتضررة من العزل والحظر والإجراءات الاحترازية، وتقليل الفجوة بين الفكرة والتطبيق، وذلك بتنشيط المجتمع المدني والمبادرات الفردية والحكومية لسد الفجوة.
  3. أغلب الدوافع التي تمنع الأفراد من الالتزام ليست معرفية بل “تكيّفية”، فالمجتمع تعدّى مرحلة التوعية، ويحتاج إلى بدائل لتساعدهم على التكيف الاجتماعي مع الوضع الجديد.
  4. التغييّر الاجتماعي يقابله دوما المقاومة، وهناك دوما مستفيدون وضحايا يستلزم المفاوضة معهم والتعويض لإقناعهم بالجديد.