مطر بن سالم بن مسلم الريامي
نسمع مرارا وتكرارا عن مؤسسات ومنظمات ما زال اسمها يمثل علامة فارقة ، وفي المقابل أخرى بدأت تعلن عن نهايتها ، ويرجع المتتبعون لتاريخ هذه المؤسسات والمهتمين بالقياس الزمني لبقاء المؤسسة ومدى نموها العمري واثر ذلك على انتاجيتها الى الكثير من العوامل ، لكن أهم هذه العوامل من وجهة نظرهم هي الثقافة التنظيمية التي تتبناها المؤسسة والذي يعمل وفقها قادة هذه المؤسسات معتبرين الرؤية والرسالة هي المجال التنفيذي لهذه الثقافة ، محافظين عليها بل ومتمسكين ببقائها تطويرا ، لتصبح ما يميز هذه المؤسسة عن تلك ، فما دور الثقافة التنظيمية في تجويد العمل المؤسسي ؟
إن الثقافة التنظيمية هي امتداد للثقافة المجتمعية السائدة ، وبالتالي فإن سلوك الفرد الوظيفي لا يتولد في فراغ فكري يعيشه ، وإنما هو نتاج السلوك المجتمعي السلبي أو الإيجابي ، فالرموز الفكرية والقيم التي يعتنقها الأفراد هي المكونات الأولية لثقافة المجتمع بكافة أجهزته وفئاته ومؤسساته ، ولقد ظهرت نظرية الثقافة التنظيمية في بداية الثمانينات من القرن الماضي ، وفحوى هذه النظرية أن لكل منظمة ثقافتها الخاصة تتكون من القيم والمبادئ والافتراضات الأساسية التي يكونها الأفراد داخل منظماتهم وبيئاتهم والتي تدفع بسلوكيات معينة ، وعليه فإن الثقافة التنظيمية التي يعتنقها الأفراد في المنظمات لها تأثيرا قويا ومباشرا على سلوكهم وأدائهم لأعمالهم وعلاقاتهم برؤسائهم ومرؤوسيهم وزملائهم والمتعاملون معهم ، وتعكس هذه القيم والمعتقدات درجة التماسك والتكامل بين أعضاء المنظمة كأنها نظام رقابة داخلي يدق الأجراس عندما يخرج السلوك عن الحدود التي رسمت له .
إن الثقافة السائدة لمؤسسة ما تعبر عن القيم المركزية التي يشترك فيها غالبية أعضاء هذه المؤسسة ، وعندما نتحدث عن ثقافة المنظمة إنما نشير إلى الثقافة فيها لكونها تعكس السمة الخاصة لها ولكن هذا لا يعني التسليم بوجود ثقافة سائدة في المنظمات فقط بل أن معظم المنظمات وخصوصا المنظمات الكبيرة تمتلك ثقافة سائدة ومجموعات كثيرة من ثقافات ثانوية ، وكلما كانت الثقافة السائدة قوية في المنظمة استطاعت إنشاء قيم مركزية يتمسك بها الأعضاء في المنظمة بشدة وتكون واسعة الانتشار بين أعضائها على مستوى المنظمة ككل ، وبالتالي تحقق فاعلية أعلى للمنظمة ، وعندما تمتلك المنظمة ثقافات قوية يكون من الصعب تغييرها قياسا بالثقافات الضعيفة وبهذا سوف تحقق الثقافة القوية انسجاما مع متطلبات البيئة المحيطة ومستلزمات التكنولوجيا وأهداف المنظمة الاستراتيجية ، ويمكننا القول أن ثقافة المنظمة تبقى عنصرا رئيسيا في تحديد كفاءة أداء المنظمة وقد تمتلك عاملا معوقا أمام المنظمة نحو تحقيق أهدافها .
من أهم التعريفات التي تناولت الثقافة التنظيمية هي أنها ” مجموعة من القيم والتقاليد والعادات والاتجاهات المشتركة والسائدة بين العاملين في المؤسسة والتي تشكل معايير السلوك والتوقعات التي يتقاسمها العاملون في المؤسسة ومن ثم تنعكس على أدائها الكلي أو تصيغها بصيغة محدودة ” .
إن وظيفة الثقافة التنظيمية إنها تقوم بدور هام جدا في بقاء واستمرار ونجاح المنظمات وذلك من خلال كونها قوة دافعة ومحركة توحد الطاقات والامكانات نحو تحقيق الأهداف المشتركة وتوجه الجهود نحو التغيير والتجديد والابتكار ، وقاعدة ثابتة وقوية تقف عليها المنظمات المواجهة للمتغيرات المتسارعة عالميا ومحليا ، وهي تصهر الأهداف الشخصية بأهداف المنظمة العليا وتشكل القيم المشتركة معادلة تفاعل هذا الانصهار ، وتعتبر الأطار الذي يساهم في بناء المنظمة وتطويرها وارتقائها لمواكبة المتغيرات والتطورات ، وهي سببا لنجاح عمليات التحول والتطوير فعندما تنسجم المصالح الشخصية للأفراد مع ثقافة وأهداف المنظمة فإن عمليات التجديد سوف تكون مقنعة للأفراد ، وتساعد الثقافة التنظيمية في تماسك المنظمة من خلال التقاء العاملين حول عناصرها ، وهي تعطي أفراد المنظمة هوية منظمة وتنمي الشعور بالذات و تسهل الالتزام الجماعي وتنمي الولاء لدى العاملين، وتعزز استقرار النظام الاجتماعي داخل المنظمة ، وتشكل السلوك من خلال مساعدة الأفراد على إعطاء معنى لما حولهم .
و يتوقف الحكم على مستوى فعالية الثقافة التنظيمية على مدى الاعتماد على عناصر إدارة جودة الثقافة التنظيمية والتي تتمثل فيما يلي : مدى وجود معايير ترتبط بكل عنصر من عناصر منظومة الثقافة الإدارية ، قياس المتغيرات الثقافية الفعلية، التعرف على فجوة الثقافة التنظيمية وهي الفرق بين معايير الثقافة التنظيمية المستهدفة والمتغيرات الثقافية السائدة ، دراسة وتحليل فجوات الثقافة التنظيمية والتعرف على أسبابها الحقيقية ، اتخاذ القرارات الملائمة لإجراء التغيير المناسب في المتغيرات الثقافية التنظيمية السلبية لتحويلها إلى متغيرات تنظيمية إيجابية .
