شيخة محسن الشمري تكتب: رحلة مع كتاب “هيا نحضر عرسًا في اليونان”

شيخة محسن الشمري

قرأت كتاب (هيا نحضر عرسا ً في اليونان ) ، عدد صفحات الكتاب  (١٠٨) صفحة وقد تم طباعة الكتاب في دار الدراويش للنشر والترجمة بمدينة بلوفديف في بلغاريا ..ينتمي هذا الكتاب إلى قائمة كتب (أدب الرحلات) والتي حقيقة أعشق قرائتها كثيرا  ….. إلا أن هذه الرحلة التي خاضها الكاتب العماني المبدع (جمال النوفلي) قصيرة جدًا وكان سببها الرئيسي هو تلبية دعوة لحضور حفل زفاف بالمقابل وصل الكاتب قبل موعد الدعوة مع أصدقائه ليتعرف على مظاهر ومعالم الحياة في هذه البلاد.

تدور أحداث هذا الكتاب إلى تجمع الأصدقاء العمانيين الثلاثة ( حمد وخالد  والمؤلف جمال) في أثينا العاصمة اليونانية لحضور عرس (إيلينا ) وهي صديقة وزميلة أحدهم بالدراسة وهو (حمد ).

استطاع الكاتب أن يحملنا معه على متن رحلته التي نجح في بناء معالمها والتي أضاف إلى بعدها التاريخي ، فاليونان بلد تاريخ وحضارة وعلى ما يبدو فهي تحفة أثرية اغريقية أبدع الكاتب العماني جمال النوفلي بوصف معالمها بالإضافة الى الوصف الجمالي للطبيعة والبشر ومن ثم صاغها بأسلوب سردي بديع وأحداث مشوقة متسارعة .

وبما أن مؤلف الكتاب هو أحد الأصدقاء الثلاثة إلا أنه استطاع أن يبرز شخوص ومواقف جميع الذين رافقوه في الرحلة وبشكل جميل جدا.

بدأ الكاتب جمال النوفلي رحلته متأملاً ومستكشفًا شوارع ومباني العاصمة اليونانية بالمشاهدات والخبرات التي يمكن أن يكتسبها كل زائر كما أنه اهتم بذكر الأماكن السياحية التي زارها وكان أبرزها  ( الاكروبوليس وهو أشهر مكان في اليونان وهو المزار الأول لجميع السياح ويوجد به أهم الآثار الإغريقية القديمة في اليونان كلها وقد بنيت منذ آلاف السنين) .

 لا شك أن كل المسافرين العرب عندما يسافرون ينتابهم القلق من كيفية التعامل مع الغريب المختلف عنهم حضاريًا وثقافيًا لكن المؤلف أثبت أن الرحلة كانت مريحة بوجود أصدقاء الدراسة الذين التقوا بهم رغم إختلاف جنسياتهم أما عن لغة التفاهم المشتركة بينهم فكانت اللغة الإنجليزية وأيضا هناك مقارنات بديهية يتداولها دائما المسافرين ما بين ما يجدوه هناك في الغربة ولم يجدوه في بلدانهم وهذا ما حصل بالفعل مع الكاتب عندما كتب في إحدى الفقرات : ( نحن العمانيين لا نعد المترو وسائر المواصلات الجماعية الأخرى مجرد وسيلة نقل بل نعتبرها أيضا مزارا سياحيا نحكي تجربتنا فيها لأصدقائنا وأقاربنا عندما نعود والسبب في ذلك هو أن بلدنا الحبيب لا يوجد به مواصلات ونقل جماعي مثل سائر بلدان العالم ) .

حزنت جدا على المشاحنات التي حصلت أكثر من مرة ما بين المؤلف وصديقه (حمد ) ويبدو أنهم وطوال الرحلة غير منسجمين مع بعضهم…

لم أستوعب سبب حماقة وغطرسة الشيخ اليوناني العجوز صاحب الفندق الذي أقام به الأصدقاء الثلاثة لكن وصف المؤلف للفندق أعاد توازني حيث كتب ( الفندق الذي نسكنه ليس بجمال وحداثة الفنادق الصغيرة في مدينة الغيرة أو الخوير في مسقط )، وهذا الوصف جعلني أتذكر تناسق المباني الجميلة في سلطنة عمان بالإضافة إلى طيبة وكرم الشعب العماني الجميل .

أعجبني جدا أسلوب الكاتب عندما كتب في إحدى فقرات الكتاب : ( هل تدرون الآن لماذا لم أحفل كثيرا بثمن الهدايا إنها مهما بلغت من سعر ومهما اشتملت عليه من ألق وافتتان فإنها لا تعدو إلا أن تكون رمزا في عيون مستقبليها لا سيما  إن كانت تحيطها الكثير من المشاعر والحب ) . وكان يقصد بهذه الكلمات الهدايا التي قدمها هو وأصدقائه للعروس بمناسبة عرسها والتي يغلب عليها الطابع العماني  .

 أضحكني المؤلف عندما علق على أسماء الفتاتان الصينيتان وهن صديقات أصدقائه فقد كتب : ( اسميهما مثيران للضحك فالأولى كان اسمها (ون ون ) أي نفس الرقم الإنجليزي والأخرى اسمها ( ين) وهو ذات اسم العمله اليابانية. 

أعجبني جدا أسلوب المؤلف الذي تعمد أن يزود القارئ بالمعلومات خلال زيارته مع أصدقائه إلى ميدان (أمونيا)، حيث كتب : ( يعد ميدان أمونيا أحد أشهر ثلاثة ميادين في العاصمة ويتميز بالحديقة التي تتوسطه والفعاليات الثقافية المفتوحة التي تقام فيه طوال العام  …  وأيضا هناك مبنى البرلمان اليوناني وهو ضخم جدا أحمر اللون وعن قصة هذا المبنى كتب المؤلف : (كانت اليونان تخضع للإستعمار العثماني وفي عام ١٨٢٦م بدأت معركة الإستغلال واستغلت اليونان وكان أول ملك لها هو الملك (أوتو الأول) وفي عام ١٨٣٤م تم الإنتهاء من هذا المبنى كقصر للملك وعائلته وبعد أن ألغي النظام الملكي حول القصر إلى مستشفى ثم إلى متحف وأخيرا أصبح مبنى للبرلمان فاليونان الآن هي دولة ديمقراطية واسمها الجمهورية الهيلينية والهيلينية معناها أرض الإغريق وللأسف لم يزودنا المؤلف عن سبب تسمية العرب لها باليونان ! إلا أنه ذكر أنها مهد الحضارات الغربية ومهد الفلسفة والديموقراطية والعلوم الحديثة حتى أن كلمة ديموقراطية المعروفة جاءت من أصل يوناني. 

كما أن المؤلف كتب بشكل مختصر عن زيارتهم إلى مبنى (أكاديمية أثينا العالمية) والتي تعتبر أفضل وأشهر الجامعات في العالم بالإضافة إلى مبنى (الأولمبياد) ذو الأعمدة البيضاء والجدران الصفراء والذي تم بناءة من مئات السنين وقد أقيمت فيه أول ألعاب أولمبية في العالم  ….

تمنيت كقارئة أنني برفقة المؤلف وأصدقائه عندما ذهبوا إلى الحديقة الوطنية والتي تعتبر أشهر حديقة في اليونان وفيها نصب لملك اليونان أنذاك ونصب لبعض علماء الأحياء والزراعة وأجمل ما في الموضوع أن اليونانيين يهتمون كثيرا بالعلماء والفنانيين أكثر من الساسه والملوك أما عن قصة هذه الحديقة فقد أبهرتني جدا جدا وهي :  تزوج الملك اليوناني (أوتو) من أميرة ألمانية وكان يحبها كثيرا وفي زمانها كانت تعتبر السيدة الأولى وقد تغنى لجمالها المطربين والشعراء ورسمها الرسامون ففي يوم من الأيام لاحظ الملك أن أمرا يعكر مزاج زوجته الألمانية ويدعوها للحزن وعند سؤالها أجابت بأنها تحن إلى مملكة والدها في (أولدمبرج) وأن أثينا رغم جمالها إلا أنها تفتقد الطبيعة في مدينة والدها فأمر الملك بإنشاء حديقة كبيرة مكونه من كل أنواع الحيوانات والنباتات ومن شتى دول العالم لتكون أروع وأغرب حديقة في العالم .

سعدت جدا عندما انفرد المؤلف برحلة خاصة مع صديقه الفرنسي (داميان) والذي علم بوجودة بالصدفة بالعاصمة اليونانية وبرفقته اصدقاء عرب من المغرب أما عن سبب سعادتي فهو احساسي كقارئة بعدم انسجام المؤلف مع أصدقائه العمانيين والذين دعوه إلى السفر معهم وقناعتي بأن من شروط السفر (صحبة ماجد ) فالمؤلف جمال النوفلي أبهرني كثيرا بحبه للمغامرة والإستطلاع ولا أعرف أن كنت أؤيد رأي المؤلف عندما قال للأصدقاء العرب الذين أهملوا هويتهم الإسلامية : ( لا تكترثوا لهذه الحياة التافهة إنها أتفه من أن تهتموا بها أو بأي دين تقضونه بها ، الأديان بالنسبة لي مثل عربات القطار لا يهم بأي عربة تركب فجميعها سيصل بك إلى نفس المكان ملايين البشر وبلايين من الأديان جاءت وذهبت ومئات الآلهة جاءت وذهبت المسيحية والإسلام ليسا إلا جزءا لا يذكر من هذه الأرض وتاريخها فعيشوا حياتكم وحققوا فيها نجاحات تعود بالخير والنفع على الإنسانية ) 

وبصراحة تأثرت كقارئة بهذه الفقرة وتذكرت المقولة التي أؤمن بها جدا رغم قناعتي بديني كمسلمة أما المقولة والتي حقيقة لا أعرف قائلها فتقول ( اعتنق الإنسانية ثم اعتنق ما شئت من الأديان ) .

أعجبني كثيرا نقل المؤلف لمشاهداته وقراءاته الثقافية لهذا البلد وما شاهده فيها من أماكن تستحق تسليط الضوء عليها كزيارته مع أصدقائه إلى معبد الاكروبوليس الأثري والذي يعد من أشهر المعابد في اليونان والخيمة الذي قطنوا بها ليلتهم وهي واحدة من بين خيام عديدة داخل مزرعة كبيرة صفف صاحبها فيها عرشانا صغيرة صنعها من سعف الأشجار والنخيل الموجودة فيها ومن ثم زيارتهم لجزيرة ( هايدرا ) البيضاء الساحرة بجمالها الصغيرة الهادئة ومنها إلى جزيرة (إيبويا) والتي تعتبر من أكبر الجزر اليونانية حجما وأكثرها كثافة سكانية  ….

وأخيرا تلبيتهم لحضور حفل زفاف صديقة (حمد) اليونانية ( إيلينا ) وعريسها (ثانسيوس) وتعتبر مراسم حفل الزفاف على الطريقة المتعارف عليها والتي نشاهدها دائما في بعض الأفلام العربية وخاصة اللبنانية عندما يختارون كنيسة وقديس ليكتب كتابهم ومن ثم ينفردوا بالرقص الجماعي والذي كان للمؤلف نصيب الأسد معهم وبينهم … حيث كتب ( رقصت معهم جميعا ثم رقصت مع العجائز والأطفال وتحدثت إلى الجميع في تلك الليلة بالرغم أنهم لا يتحدثون لغتي ولا يتحدثون الإنجليزية ولا أنا أتحدث لغتهم فقد كنت أحدثهم بلهجتي العمانية وهم يحدثوني بلهجتهم اليونانية وكنا مع ذلك نفهم بعضنا جيدا لقد أدركنا حينها أن اللغة ليست آداة مستحدثة للتعبير وأن الإنسان أذكى من أن يحتاج إلى لغة لفهم أخيه الإنسان وقد كانوا سعيدين جدا وكريمين جدا معي لقد وضعوا التاج اليوناني فوق رأسي في نهاية السهرة  …. )  

وكل الأحداث التي ذكرها المؤلف في تلك الزيارات والمناسبات أرى أنه وفق في كتابتها بين الرصد الأدبي للأماكن وما تتميز بها، وبين التصوير الفوتوغرافي للجماليات.