خياطة الملابس الرجالية والنسائية في السلطنة.. وقفات نحو وعي مجتمعي وطني

بقلم: زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي.

الجميع يعلم ما يمر به وطننا العزيز عمان جراء جائحة كورونا وما نتج عنها من من تداعيات وانعكاساته سلبية أدت إلى إغلاق محلات الخياطة الرجالية والنسائية لعدة أشهر في جميع أنحاء السلطنة حفاظا على صحة المواطن في هذا البلد العزيز، ومن اللازم أن نقف جميعا وقفات وطنية صادقة مع النفس لمراجعة حساباتنا من خلال قراءة واعية وبتأمل عميق وتفكر وتدبر وتبصر في مجال يشغل بال الكثير منا كونه يرتبط ارتباطا وثيقا بمجريات حياتنا اليومية، وقفات نفسية ليس بهدف النقد الذاتي المجرد بل بهدف التغيير نحو الأفضل ، وتتمثل هذه الوقفات في التالي :

١. الوقفة التاريخية: أعوام مرت وسنوات خلت ولم نستطع حتى الآن نحن كعمانيين وعمانيات في هذا الوطن العزيز – إلا ما ندر من مبادرات فردية – تأسيس محلات ومصانع وطنية لخياطة الملابس يديرها ويعمل فيها أبناء الوطن ذكورا وإناثا، لم نستطع تعليم عدد من أبناء الوطن وبناته مهنة خياطة الملابس الرجالية والنسائية بالرغم من أنها مهنة لا تحتاج إلا لمعدات بسيطة ولمهارة يدوية إبداعية في التفصيل والتطريز والانتاج ، لم نستطع حتى الآن إنشاء مصانع ومعامل لإنتاج منتجات ومستلزمات الخياطة مثل القماش الخام وباقي أدوات الخياطة فنحن نستورد تقريبا كل مستلزمات الخياطة من الخارج، آلاف العمالة الوافدة في السلطنة تعمل في مجال الخياطة الرجالية والنسائية وتستحوذ على هذه المهنة التي تدر عليها مبالغ طائلة كان الأولى أن يستفيد منها أبناء الوطن المعطاء في إيجاد فرص عمل لهم، كانت هناك خطط وبرامج وتجارب ومبادرات حكومية سابقة مقدرة ومشكورة لتدريب وتعمين عدد من العمانيين والعمانيات منذ عدة سنوات في مجال خياطة الملابس في السلطنة، لكن بسبب عدة عوامل لا مجال لذكرها هنا لم يكتب لمخرجات تلك الورش والدورات التدريبية النجاح بالرغم من الدعم الحكومي السخي التي أنفق على أؤلئك المتدربين والمتدربات والذي شمل أيضا دورات لتعليم مهنة الخياطة داخل وخارج السلطنة.

٢. الوقفة الاقتصادية: تشكل المؤسسات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة في مجال خياطة الملابس الرجالية والنسائية أحد أكبر مجالات العمل في السلطنة في القطاع الخاص، حيث يوظف هذا القطاع أعدادا كبيرة من العمالة الوافدة التي نكن لها كل التقدير والاحترام لجهودها المخلصة في الإسهام في خدمة المواطن العماني في هذا المجال، لكن وبنظرة اقتصادية واقعية عميقة تسهم تلك العمالة الوافدة في تحويلات مالية خارجية طائلة وكبيرة تؤثر سلبا على قوة ومتانة الاقتصاد الكلي المجتمعي في السلطنة نتيجة خروج عملتنا الوطنية ( الريال العماني) خارج البلاد، فنحن ننفق جزءا كبيرا من دخلنا الفردي الاستهلاكي في تفصيل الملابس سواء الرجالية والنسائية منها، وذلك الإنفاق الداخلي يذهب إلى خارج السلطنة من خلال التحويلات المالية الأجنبية التي تقوم بها العمالة الوافدة التي تعمل في هذا المجال المهني، لذا تبرز أهمية تدعيم الاستثمار الداخلي الوطني الآمن كأحد أنواع الاستثمار الفعال الذي ينعكس إيجابا على قوة ومتانةاقتصادنا العماني الوطني الكلي من خلال وجود مؤسسات وطنية عمانية ذات عمالة وطنية خالصة تعمل في مجال مهنة خياطة الملابس في المجتمع العماني.

٣. الوقفة الاجتماعية: نحن بحمد الله مجتمع عماني محافظ على قيمه وأخلاقه وأعرافه وعاداته وتقاليده العمانية الوطنية الإسلامية الأصيلة ، لذلك فالأولى أن يقوم أبناء الوطن ذكورا وإناثا بخياطة الزي الوطني العماني الذي يمثل هوية وطنية بأيديهم ليشعروا بالانتماء لهذا الوطن الغالي بدلا من ترك ذلك في أيدي العمالة الوافدة، كذلك من الأولى أن يقوم بخياطة الملابس النسائية بنات الوطن الكريمات بدلا من العامل الأجنبي الوافد مراعاة لخصوصيات المجتمع العماني المحافظ ودعما لهويته وأزيائه الاجتماعية الوطنية ذات الطابع الاجتماعي العماني الأصيل.

٤. الوقفة السلوكية: كان آباؤنا وأمهاتنا وجداتنا في الماضي مثالا يحتذى به في صناعة وخياطة الملابس بأنفسهم دون الاعتماد على أحد، خاصة المرأة العمانية الكريمة التي كانت تخيط لأفراد أسرتها ومجتمعها ليس فقط الملابس النسائية بل حتى الملابس الرجالية، وتكسب قوت يومها بعرق جبينها بكل كرامة وأنفة وعزة لتعيل أفراد أسرتها لمواجهة ظروف وقسوة الحياة في الماضي ، فكانت النساء العمانيات مثالا يحتذى للصبر والكفاح في هذه الحياة من خلال العمل الشريف، لكن للأسف لدينا الآن الكثير من الطاقات العمانية الشابة والمتعلمة والكثير من أنامل الإبداع العماني المعطلة لعدة أسباب سلوكية مثل تبني البعض لسلوكيات نمط الحياة المعاصرة المتسم بالكسل والخمول، والاعتماد والاتكال على الغير، و الترفع السلوكي عن القيام ببعض المهن الشريفة، وإهمال مفاهيم : تنميةوتطوير الذات وتنمية المهارات اليدوية الفردية، وعدم تنظيم وإدارة وتنمية الوقت إدارة سلوكية ذاتية حكيمة، وتناسي مفاهيم: الدافعية الايجابية، ومفاهيم الصبر والمصابرة والانتماء النفسي الذاتي الايجابي مما أدى بنا إلى الاعتماد بشكل كبير على غيرنا في مجال صناعة وتفصيل وخياطة وتطريز الملابس الرجالية والنسائية.
وبناء على الوقفة السلوكية يبرز التساؤل السلوكي الآتي :متى ستتحرك تلك الطاقات العمانية الوطنية البشرية الابداعية الكامنة في أنفسنا لتغيير الواقع الحالي في هذا المجال الاجتماعي و الاقتصادي الحيوي؟!! ، ولنعلم في قرارة أنفسنا أن العمالة الوافدة مع تقديرنا لجهودها المخلصة في خدمة الإنسان العماني هي عمالة مؤقتة قد يطرأ عليها التغيير والانتقال نتيجة للعديد من الظروف الاقتصادية المتغيرة والمتقلبة، وأن العمالة العمانية الوطنية هي العمالة الدائمة والباقية لخدمة هذا الوطن العماني الأبي بكل إخلاص وتفان وجد في العمل، فنحن بحاجة لوقفة سلوكية صادقة مع نفوسنا وذواتنا ليس بغرض التجريح وجلد الذات والتحسر على الماضي ولكن بغرض الإصلاح ووضع اللبنة الأولى للانطلاق للمستقبل المشرق في مجال مهنة الخياطة.

٥. الوقفة الحكومية: كل الشكر والتقدير والثناء لجميع الجهود الحكومية التي تعمل على الاستثمار في الإنسان العماني باعتباره هو المحرك الأساسي للتنمية، ونحن بحاجة لتكامل كافة الجهود الوطنية من القاعدة إلى القمة شعبا وحكومة وقطاع خاصا في تغيير واقع مجال خياطة الملابس الرجالية والنسائية في بلادنا الغالية عمان من خلال تبني برامج وخطط تدريب وتشغيل واضحة وعملية وفعالة ومشجعة من خلال الدعم المالي والفني المتواصل في هذا المجال لمجال ريادة الأعمال ، إضافة لتعاون كل من جمعيات المرأة العمانية في مختلف ولايات السلطنة و تعاون الفرق الخيرية الأهلية في جميع أنحاء السلطنة لدعم هذا القطاع، مع عمل دراسة اقتصادية علمية واقعية من قبل مشرعي وصانعي القرار في السلطنة وعلى رأسهم مجلس الشورى العماني الموقر لمعرفة واقع مجال خياطة الملابس في السلطنة، ودراسة كافة المعوقات وتذليل الصعاب والعقبات التي قد تعترض القوى العاملة الوطنية من الالتحاق في هذا المجال و وفق برنامج زمني محدد قابل للتقييم والمتابعة والمراجعة الدورية.

في خاتمة المطاف، كانت تلك وقفات وطنية مختصرة ذات لمسات نفسية تهدف إلى أن يسلك أبناؤنا وبناتنا من القوى العاملة الوطنية في مهنة خياطة الملابس، لتكون عمان رائدة بحق في هذا المجال ليس على مستوى الصعيد الوطني فحسب بل على مستوى الدول المجاورة في المنطقة ودول العالم الأخرى، ونحن متفائلون جدا في المستقبل القريب بأننا سنرى ثمرات يانعة من القوى العاملة العمانية الوطنية تشق طريقها بكل عزم وجد واجتهاد وإخلاص في مجال صناعة وتفصيل وخياطة وتطريز الملابس الرجالية والنسائية في هذا الوطن العزيز .

حفظ الله اقتصاد عمان الوطني وحفظ سلطانها المفدى، وأصبغ على عمان نعمة الرخاء والازدهار.