حمود بن علي الطوقي يكتب: وعكة كورونا وخارطة التعافي الاقتصادية

حمود بن علي الطوقي

يبدو أن وعكة كورونا هي الأعنف على الجانب الاقتصادي، وسوف تجعلنا نتجه إلى التفكير الإيجابي لتصحيح أوضاعنا الاقتصادية.
أقول ذلك وأنا أتابع الوضع الاقتصادي منذ عام 2014، عندما بدأ يتأثر بسبب تذبذب أسعار النفط، ومنذ ذلك الحين والاقتصاد يمر بوعكة صحية تتفاوت حدتها من عام إلى آخر.


لقد جاء فيروس كورونا “ليزيد الطين بله” وتنهار أسعار النفط التي وصلت إلى أدنى مستوياتها بحدود 22 دولار، ومنذ عام 2014 نتطلع مع مطلع كل عام جديد أن يتعافى اقتصادنا ويعود قويا يصارع التحديات، إلا أن الوعكة الصحية تتشعّب وتبحث عن وصفة سحرية تُخرجها إلى مرحلة التعافي والشفاء.
اكتب هذا المقال منبها إلى أهمية التحرك سريعا نحو وجود حلول مشجعّة والاعتماد على مصادر جديدة للدخل، ودعوة المشاريع الهادفة والجاذبة للاستثمارات التي قد تساعدنا على الوقوف من جديد بقوة ضد أي وعكات صحية قادمة وفي ظل التخوف من أن تستمر وعكة كورونا لسنوات، خاصة أن المؤشرات توحي بأن الأزمة الاقتصادية ستكون أكثر حدة مع مطلع العام 2021.


سأكون متفائلا وأرى أن المعطيات والخطوات التي انتهجتها السلطنة قادرة على إخراجنا من هذه الأزمة بأقل الخسائر، ومجابهة هذا التحدي بل والتغلب عليها إذا اعتمدت على تصحيح مسارها الاقتصادي وتهيئة بيئة العمل وتفعيل القوانين وتنمية الشراكة الحقيقية بين القطاع العام والخاص، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومحاربة الاحتكار، وتشجيع القطاع الخاص من خلال تبسيط الإجراءات الحكومية، وتعميق قطاع سوق رأس المال وتطوير التشريعات والقوانين المتعلقة بالعمل والتملك العقاري، وفتح مجال لاستقطاب جنسيات جديدة قادرة على المساهمة في دفع العجلة الشرائية، وترشيد الإنفاق فيما يتعلق بالمال العام.


ولتحقيق هذه الأهداف فقد وضع عاهل البلاد المفدى جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- حزمة من القرارات الجادة والهادفة، فلا شك أن تطبيق هذه القرارات يتطلب تعزيز التكاتف بين عناصر الإنتاج، والعمل بجد وإخلاص من أجل الوصول للهدف المنشود بوضع مصلحة البلد فوق كل الاعتبارات.


أجزم أن الحكومة عبر رؤيتها حول تنوّع مصادر الدخل ومن خلال توجيه حزمة من الاستثمارات في مشاريع ذات قيمة مضافة؛ تدرك أهميّة البحث عن علاج فوري يجنبها من الانزلاق الخطير في البحث عن مشاريع مصابة بالحمى والأنفلونزا الحادة المزعجة، وتبحث عن مهدئات ومنشطات تدفع دوران العجلة الاقتصادية التنموية الفاعلة، بما يعود بالنفع على الوطن والمواطن على حد سواء.


في ظل استمرار الوعكة الصحية ومداهمة فيروس كورونا الذي أصاب جسد اقتصادنا منذ بداية العام 2020، يجب أن نطرح مجموعة من الأسئلة ونستعجل في الإجابة عليها، ولنضع في مقدمة هذه الأسئلة: كيف سيكون وضعنا الاقتصادي والمالي على اعتبار أن مواردنا أصبحت محدودة؟.


إن الحكومة اتجهت إلى ترشيد الإنفاق بفرض حزمة من المنشورات المالية بلغت نحو 13 منشورا خلال 3 أشهر فقط منذ بدء هذه الجائحة، وستكون الأشد حدة نظرا لقوتها، وأدت إلى انهيار كبرى المؤسسات العالمية، وهل هناك رؤى واقية ومناقشات للحد من هذه الأزمة؟، وهل من أفكار وطرح جديد قد تجنبنا من الوقوع في براثن هذه الأزمة.
هل علينا أن نكون أكثر استعدادا لمعطيات الرؤية المستقبلية للسلطنة، التي حتما لن تكون في معزل عن الأزمات التي ستواجه العالم كون أننا جزءا من هذا العالم؟


إننا يمكننا أن نكون أكثر حرصا من الآن ونشخّص الأزمات الاقتصادية بعدة مؤشرات، أهمها الدقة في التعامل مع المنجز العام المتحقق، وفتح مجال لدخول شركات عالمية متعددة الجنسيات لتكون مصدر قوة لنا ولاقتصادنا، ونجزم أن توجيه البوصلة نحو المنطقة الاقتصادية بالدقم وأيضا المناطق في صلالة وصحار وتنمية المحافظات العمانية بمشاريع ذات القيمة المُضافة ستكون فاعلة وقادرة على تضييق فجوة الأزمة الاقتصادية وتوسيع مجالات الانفتاح الاقتصادي.
وهذا التوجه لا شك يتطلب من صناع القرار الاقتصادي، رسم مسارات وخارطة طريق جديدة تعزز من قيمة مشاركة القطاع الخاص في بناء الشراكة التفاعلية مع الحكومة؛ بالإضافة إلى تعزيز الوعي المجتمعي للمحافظة على المكتسبات والعمل من أجل تحقيق المصلحة العامة، تمهيدا لتحقيق واقعا يلبي الطموحات الضرورية بما يتناسب مع ثلاثية الخطة الخمسية العاشرة التي تهدف إلى تحقيق التغيير الذي لا مناص له من أن يصل بسفينة الاقتصاد المحلي ذي الخارطة التنويعية إلى مرحلة الأمان والاطمئنان .


صحيح أننا نعيش أزمة اقتصادية حقيقية ولا يمكن أن ننكر ذلك كوننا اعتمدنا على النفط كمصدر أساسي، وصحيح أن الحكومة تسعى إلى الخروج من هذه الأزمة ومن عنق الزجاجة بأقل الخسائر، ولكن يجب أن نعترف أن هذا الوباء أصاب عصب اقتصادنا ولابد من معالجته بشكل سريع بطرح مشاريع قابلة للتنفيذ.


في ختام حديثي، أعتقد أنه آن الأوان أن نبحث عن أبجديات الحوار الهادف ونضع الأمور في مسارها الصحيح وسنجد أن الحلول ممكنة وسهلة المنال، وأن العلاج موجود وفِي المتناول، ويتطلب وجود طبيب ماهر قادر على كتابة “الروشيتة” الفاعلة التي من خلالها سنقضي على على هذا الوباء المزمن.