وفاء بنت سالم تكتب: يوميات ما تهم أحد(28).. لماذا أكره الأصغر؟ لماذا كنت أكرهه؟

وفاء بنت سالم

حسنا لابد لي أن أعترف بأن كل سنة أقضيها مع عقدي الثالث أعقد فيها صلحا مع عدة اشياء ومن ضمنها اللون الأخضر والأصفر..
ربما لأني كنت ألتزم الصمت في كل اللحظات التي أتعرض فيها للضرب والتعليقات الساخرة من قبل ذوي جعل مني مصدر سخرية دائمة لهم..
حين كنت في الثانية عشر من عمري وكعادة أبي كلما ذهب لدبي يحضر لنا شيئا ما كانت هديتة لي فستان أصفر بطبقات مثنية بشكل حلقي، واذكر أن ياقة الفستان كانت عبارة عن شريطة سوداء بإمكاني جعلها مفتوحة أو اربطها كزهرة..
لا أذكر حقا المناسبة التي حدثت في بيتنا لأرتدي ذلك الفستان ولكن ما اذكره بأني تعرضت لأول حادثة وهي أن دفعتني أختي الغير شقيقة من أعلى السلم لاتدحرج ويصاب ذقني بندبة عميقة جعلت الدماء تسيل، لم أفكر في الألم حينها، ما اخافني هو الدم الذي لطخ فستاني نهضت وأنا أبلع الدم في فمي وتوجهت إلى المسبح الذي في الطابق السفلي وهناك اختبأت من توبيخ امي وخلعت فستاني الأصغر وأخذت اغسل الدماء منه…
كنت أخاف غضب امي، كان غضبها يكسرني ويزرع في داخلي غضب أكبر..
ظللت في المسبح لوقت طويل حتى سمعت صوت اختي تمر بالقرب منه، حينها وبصوت مرتجف من الخوف والبرد ناديتها :عليوه جيبي لي دريس..
فتحي الباب (قالتها اختي علياء).. وحين رأت شكلي أمسكت بوجهي تنظر إليه مليا فسألت :تعثرتي؟
أجبتها وأنا أخبئ كل شيئ بداخلي :تجرطحت من الدرج (تدحرجت)..
وضعت علياء الديتول المطهر على الجرح وألبستني ملابس نظيفة..
بعدها رأتني عمتي اخت والدي فصاحت :من دقش فوجهش، تعالي قربي حيتي بيدها الضخمة وضعت مادة صمغية على الجرح، كانت تؤلمني لكني لم أبكي حتى لا اسمع اغنية إخوتي المعتادة كلما ضبطوني ابكي :صياحوه يو دياية..
وقفت بعدها وأنا بملابس المضيبي التقليدية انظر إلى اختي بدرية التي دفعتني قبل ساعات من الدرج الحجري..
كنت أشعر بشعور غريب ناحيتها وافكر كيف انها اختي..

في عام 1996 أصبحت أكبر سنا طالبة في المرحلة الإعدادية مهووسة بالقراءة، الرسم، الكتابة وإذاعة بي بي سي..
كان لي عالمي الخاص الذي اقضيه في مزرعة البيت، ذات يوم من ذلك العام وفي الاجازة الصيفية أحضرت لي اختي نبيهة لباس الويل الخاص حينها بأهالي مسقط، كان لبسي له دليل نضوج وتوديع للفاستين التي يحضرها لي ابي، كنت سعيدة به وباللون الذي اختارته لي، كان اصفر بورود سوداء تنتشر على جانبي القماش وأمام فرحتي علق أخوي بصوت ساخر جرادة زاعت جت..
لم أظهر غضبي منهم كالعادة لكني خلعته لأرتدي دريس القطن الذي خاطته امي لي حتى أتت إحدي قريباتي لزيارتنا فقالت وهي تنظر للويل في دولابي :لا تقولي اذيه الويل لك! أجبتها بفرح :اختي جابته لي هدية من مسقط
فضحكت وهي تخرجه من دولابي قائلة :ألحين اختك فيها حول، امبونها ما نجت لي غير الأصغر ما يكفي انك سوداء بعدك تلبسي أصغر..
هاتية مب حلو عليك غشوشة بيطلع شكلك يضحك على سوادك..
قلت لها بإبتسامة متصنعة :ابوي يقول سواد القلب مرض ما ينغسل بصابونه وسواد الوجه حوبة، لكن خلقة الله نعمه..
نظرت إلي بغضب وخرجت من الغرفة مع لباسي..

الحقيقة أني كرهت اللون الأصفر حينها وكرهت قرييتي التي ذهبت تشكوني لوالدي الذي حضر قبل ذهابه للنوم الي سائلا :وفاء هيش قلتي لفلانة؟
أجبته :خبرتها أن سواد القلب ما ينغسل بصابونه..
ابتسم ابي قائلا :بنتي تعلمي تجاملي الناس
أجبته :قصدك اكذب!
قال لي :الكذب يجيب المشاكل بس المجاملة تشيلها..

لكني لم أجد المجاملة طوال السنوات التي قضيتها في بيت أبي ولا في العشر سنوات التي قضيتها بعيدا عنه، اذكر انه قال لي قبل زواجي :خفي على عمرك بنتي، انتي قوية بس تعلمي تجاملي، مب كل الناس مثل هلك..
قلت له:أبويه انت كنت تقول لي دايم لا تكذبي والي فهمته وقتها وانا صغيرة أن المجاملة كذب، تحيد لما قلت لي جاملي الي يغلط عليك، يوب جاملت وسكت صرت تسلاية لهم ويوب صرت اقول لهم الصدق محد اذاني بوجهي يومها، اني يكفيني انك ابوية وكل شيء غيرك ما يهمني بس.
اليوم وانا انبهر من جمال الأصغر الممتزج بالأبيض والأسود تذكرت أحداث كثيرة، صدقوني ليس في الأمر متعة ولا في سرد الذكريات إضافة، أن ما احاول القيام به هو أن أحرر ذاكرتي من بعض الذكريات التي تركت فيني ندوب ظاهرة ومخغية..
كما أني لست سوداوية لكني أحاول في كل مرة إضافة ألوان جديدة في سنوات عمري المقبلة، سأحاول أن أشتري قميص أصفر وأضيف في منزلي لون أصفر ولأكن الجرادة التي يضحك منها وسوداء البشرة التي تبغضها قريبتي، ولتبحث أختي غير الشقيقة عن من تدفعه من السلم هذه المرة ولتستمتع بتمزيق ما تبقى من مذكرتي التي سرقتها من حقيبة مدرستي..
لا يهمني الآن سوى أني لم أكره رؤية الأصفر في ملابس صغاري وبأني بخير..

22/ مايو / 2020 م