محمد المبارك خالد التيرابي يكتب: بوادر إفلاس الحضارة الغربية

محمد المبارك خالد التيرابي*

يشهد الغرب في أيامنا هذه تحولات خطرة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا حيث تكاد تعلن الحضارة الغربية المادية إفلاسها، وهي التي كانت تتخبط منذ عصر التنوير Enlightenment age في القرن الثامن عشر في الفلسفات والمذاهب والأيدولوجيات الأوروبية كالميكافيلية والبراجماتية والمادية الحسية والداروينية والليبرالية والوجودية. وكل هذه تتعارض مع الدين جملة وتفصيلا، وتنادي بفصل الدين عن الدولة بسبب العداء التاريخي بين الكنيسة والعلم منذ عهد كوبرنيق وجاردانو برونو وجاليليو فيما عرف بمحاكم التفتيش حيث اختلفت الكنيسة مع العلماء وسجنتهم ونفتهم وشردتهم، وحرقت البعض الآخر، ولهذا يمكننا القول إن ديانة أوروبا ليست النصرانية وإنما هي المادية التي أفرزت العداوة والبغضاء بين الشعوب الأوروبية النصرانية- على وجه التحديد- لانتفاء عنصر الانسانية؛ أخلاقًا وضميرًا وأخوة ومساواة، تلك الشعارات التي تلفعت بها الثورة الفرنسية في بداية أمرها. يقول الله تبارك وتعالى:
“ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذًكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة”(١)
في هذه السلسلة سنعرض لسبر أغوار الحياة الغربية عامة، ولموضوع السلوك العام فيها ولنظرتها للشعوب الأخرى من خلال الدراسات الاستشراقية وما عقبها من كشوفات جغرافية، وحركات التبشير، والهيمنة الاستعمارية بأشكالها المختلفة القديمة والحديثة الظاهرة والخفية، وما تمخض عن ذلك كله من ضغوط سياسية واقتصادية وثقافية وفق سياسة (فرِّق تَسُد) Divide & Rule و (جوِّع كلبك يتبعك) و(أنا وبعدي الطوفان)!!!
بالإضافة إلى العداء الغربي المتأصل للإسلام، والذي ينعكس اليوم في الهجوم المسعور على الشرق وتوجهاته الإسلامية!!!
هذا وسنعرِّج على الإعلام الغربي الذي سخر التقنية الحديثة ليوصل أهدافه ومراميه إلى الشعوب المستضعفة عوضًا عن الغزو العسكري والاحتلال الاستيطاني!!!
كما سنعرض بإذن الله تعالى لوسائل الإعلام الغربي وفصائله من دعاية وإمتاع من خلال سيطرة اليهود على الصحف والإذاعات والقنوات المرئية والسينما ووكالات الأنباء والرأي العام العالمي، بالإضافة إلى التكنيك الإعلامي من استحداثه لمفاهيم ومصطلحات ترضي توجهاته ومراميه، كالإرهاب والتطرف والأصولية، وترديدها عبر أجهزته المختلفة، حتى غدا -وبكل أسف- تناقلها واستعمالها أمرًا عاديًّا حتى بين أبناء المسلمين، كمسلمات وفرضيات لا مناص منها!!!
من جهة أخرى سنتناول دور الإعلام الإسلامي المنشود من خلال التصدي لهذا الزحف المادي الخطر الذي يُلقي به يم الغرب الآسن على شواطئنا، وما الذي يمكن أن يقوم به إعلامنا الإسلامي في الرد على الافتراءات والشبهات والتلبيسات التي تقذف بها أجهزة الإعلام الأوروبية والغربية عامة كل يوم وبصورة محمومة! إذ لا بد من الاتصال بالأديان الأخرى من خلال الحوار، أو كما يفعل العلامة المسلم أحمد ديدات قطب الدعوة الإسلامية في الغرب بالإضافة إلى شراء برامج في قنوات تجارية مرئية وصوتية في الغرب لتصحيح (صورة المسلم) هناك، والاهتمام بالصحف الإسلامية التي تعمل في ظروف مادية سيئة في أوروبا، إذ لا بد من دعمها بالمال والتوجيه حتى تواصل الصمود أمام هذا التيار الإعلامي شديد الاندفاع، هذا عدا وضع استراتيجية للثقافة العامة والعمل الإسلامي الهادئ باعتبار أن الإعلام غدا وسيلة فعالة في الحرب القائمة بين الإسلام والإلحاد!!!
وفي إطار جولتنا هذه فإننا نسعى لإعادة الثقة في أنفسنا وفي أبنائنا من خلال تأكيد أن الإسلام هو دين العلم والعمل وهو جِماع بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، بين عالمي الغيب والشهادة، لأنه يخاطب العقل والقلب معًا، ولا يخاطب العقل وحده كما تفعل الحضارة الغربية المتهرئة التي تسعى لإفناء البشرية من خلال ثقافتها الغابية المتوحشة. فالإسلام دين وسط ينأى عن الغلو والتنطع والتشدد، وحياة أوروبا تنكر الغيبيات وتُعلي مفاهيم المحسوس والتجربة، والحياة الهندية والصينية واليابانية تغالي في الروحانيات واللاعقلانية والطقوس الوثنية، وكلاهما يجانب الحق ويحيد عن الصواب!!!
أما الإسلام فهو دين الوحدانية الذي يأخذ للدنيا حقها، وللآخرة حقها دون إفراط وتفريط، وصدق الشاعر إذ يقول:
زاهد الهند نعى الدنيا وصام
أنا أنعاها ولكن لا أصومْ
طامع الغرب نعى الدنيا وهام
أنا أنعاها ولكن لا أهيم
ولنا في كل ذا حدٌّ قوام
فليلمنا بعد هذا من يلومْ
على صعيد آخر هنالك الكثير من الأغلاط التي تنقل من أوروبا وتعرض في شكل زاهٍ جميل بخلاف الواقع. فصحيح أن أوروبا شهدت تقدمًا تقنيًّا ملحوظًا، لكنها لم تحقق السعادة المنشودة لبنيها، وقد شهد بذلك شهود من أهلها كثيرون من علمائها وقادتها المعتدلين الواقعيين، وذلك من خلال بطلان الحاسة الدينية، فقد قال (MR Eden) رئيس وزراء بريطانيا عام ١٩٣٨م: (إن أهل الأرض كادوا يرجعون ألى عهد الهمجية والوحشية ويعيشون حياة سكان الكهوف(٢).
وقد اتهم روجيه جارودي -الكاتب والمفكر الفرنسي الكبير الذي اعتنق الإسلام- اتهم الغرب الأوروبي بعقدة نفسية أطلق عليها (مركب العظمة) الذي حال كما يقول دون تفهم الإنسان الغربي للحضارات الإنسانية المغايرة لحضارته، وخصَّ بالذكر الحضارة الغربية، فالأوروبي لا ينظر للشرق العربي إلا نظرة المتكبر، معتبرًا نفسه ابن حضارة اثبتت تفوقها بتطور الآلة والتقنية.
وعقدت السيدة “برجت هولي”
مقارنة بين الإسلام والحضارة الغربية إذ قالت: (إن الإسلام يستطيع أن يؤثر تأثيرًا عميقًا في الحضارة الحديثة) وأردفت قائلة: (أن العالم الغربي يعيش اليوم في ظلام، وليس هنالك بصيص من الأمل في قيام الحضارة الغربية بتوفير سبيل لتخليص النفس الإنسانية حتى من حيرتها وآلامها، فكل من يعرف الوضع الحقيقي للمجتمعات الغربية يلمس هذا القلق وهذه الحيرة العالمية التي تختفي خلف بريق التقدم والإبداع المادي!
والانسجام اللطيف في الإسلام بين مستلزمات الجسد ومتطلبات الروح يمكن أن يحدث تأثيرًا قويًّا في أيامنا هذه وفي المستقبل(٣).
ويقول جيرالد هيرد في كتابه (القيمة الخلقية الثالثة): ( إن الغرب تعسٌ ومتخلف بتحكيمه القانون العلمي في كل شيء حتى غدا الإنسان آلة قابلة للتحكيم والتحكم، ما دام شيء ماكينة، فكل شيء لا هدف له ولا أخلاق ولا قيم له، إن كل ما يملك الغرب هو القدرة على التصنيع، والقدرة وحدها قد تدمر.
لقد أدرك الغرب أن ماديته تحمل عوامل فنائه، ولذا نجد أهل الفكر في الغرب مشغولين بالبحث عن سر يجدد مجتمعهم حتى ينبض بالحياة في مستقبلها البعيد، بل في حاضرها على الفور).
وصدق الله العظيم إذ يقول: “والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا”(٤) ذلك أن مقاتل الحضارة الغربية كثيرة سنعرض لها في سلسلة حلقاتنا هذه بشيء من التفصيل، وتلك المقاتل هي: إدمان الخمر، الجريمة والعنف، انهيار الأسرة الغربية، تفشي حالات الطلاق، ازدياد عدد اللقطاء أو ما يسمون بأولاد الطبيعة، ظهور أمراض العصر والأوبئة كالأيدز والكآبة التي أدت إلى استشراء حالات الانتحار بين العلماء المتخصصين، والمشاهير من القادة، ورواد السينما وغيرهم، بالإضافة إلى الشذوذ الجنسي الذي يحميه القانون ، حيث تقام للشاذين جنسيًّا الأندية الخاصة بهم، كما تتهافت الأحزاب السياسية على استرضائهم للحصول على أصواتهم وتأييدهم لها!!!
سنكشف النقاب عن كل ذلك من خلال الدراسة المنهجية العلمية بالقرائن والشواهد والأدلة الدامغة، بالمقارنة والموازنة الصائبة، بالإحصائيات وآخر تطورات الأحداث، لنقف على حقيقة الوضع الذي يعيشه الغرب، فليس من رأى كمن سمع، وليس الخبر كالعِيان – ولا نزكي أنفسنا-(٥). يقول الله تعالى: “ولا ينبئك مثل خبير” صدق الله العظيم(٦).
………….

(١) المائدة ١٤

٢)أبو الحسن الندوي- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص٢٢٣
٣)أنور الجندي- تصحيح
المفاهيم في ضوء الكتاب والسنة ص٣٦٤
٤)الأعراف ٥٨
٥)يقصد المؤلف بهذه العبارة أنه عاش أربعة عشر عامًا في أوروبا (إيطاليا – سويسرا – إنجلترا) متقلبًا ومتنقلًا بين الدراسة والعمل التجاري والصحافي والإذاعي والدعوي.
٦)فاطر ١٤

تكملة
فليس من رأى كمن سمع، وليس الخبر كالعِيان – ولا نزكي أنفسنا-(٥). يقول الله تعالى: “ولا ينبئك مثل خبير” صدق الله العظيم(٦).
………….

(١) المائدة ١٤

٢)أبو الحسن الندوي- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص٢٢٣
٣)أنور الجندي- تصحيح
المفاهيم في ضوء الكتاب والسنة ص٣٦٤
٤)الأعراف ٥٨
٥)يقصد المؤلف بهذه العبارة أنه عاش أربعة عشر عامًا في أوروبا (إيطاليا – سويسرا – إنجلترا) متقلبًا ومتنقلًا بين الدراسة والعمل التجاري والصحافي والإذاعي والدعوي.
٦)فاطر ١٤



*خبير استشاري في التدريب التطويري الذاتي والمؤسسي، والإعلام التطبيقي بخبرات دولية
[email protected]