حمد بن سعيد المجرفي يكتب: عريش القيض

حمد بن سعيد المجرفي


لقد كان للزمان السابق جماله ورحل مع من رحلوا من الآباء والأجداد وبقيت الذكريات تؤرق ذلك الزمان وبقينا نندب أياما مضت برائحة زكية ، فلا تركت للذكرى ولا أستخلفت ليومنا هذا ، حيث غلب على الماضي عصر الحداثة وبنيت الأسوار وبقيت مغلقة ، تفتح ابوابها متى ما أطرقت ويشعر رب البيت كأن هناك من جاء ليطلبه.
غير أن العريش مختلف تماما ويكاد لا يخلو بيت فى بلدتي منه فى الزمان الماضي ، فعلى مداخل البيوت تنصب أعمدة من جذوع النخيل ، ويتجمع الأهالي حين يدعوهم رب البيت بأن يتساعدو على قلد حبال الليف المصنوع من ليف نخلة الفرض ، والذي يتميز بقوته كما أنه يقاوم أشعة الشمس ، ويجردو خوص النخيل من أطراف الزور ، وبعد أن يقلمون الشوك وتتوازى طول الزوره بتساوي، يمسك البعض منهم الحبل من المنتصف ويقسمه الى قسمين ، طرف باليد اليمنى والطرف الآخر باليد اليسرى ، والآخرون عليهم أن يصطفون لاصطفاف أطواف النخيل مبادلين بالأطراف ، مرة الطرف يمين والاخرى يسار ، ويبادرون مع بعض مرددين الصوت ، ويتم تثبيت لحبل الليف فى نفس الحظة ويتم مد طوله على مقياس الخطوة بحسب الرغبة ويطلق عليه الدعن .
ينصب الدعن فوق الأعمدة وعلى الجوانب ويترك مدخل أو دروازة الدخول ويفرش بالرمل النظيف .
هنا يسمى العريش ويتميز العريش بنصبه ونقاوة الهواء حيث يخصص مكان لتنصب عليه الجحال يتم صناعتها من الطين وله نوعان : الطين المدري والطين الحجري فالمدري يجلب من مجاري الاودية والانهار والهضاب والحجري يأتي به من الجبال وهو عبارة عن صخر يتم طحنه ويصبح قابل للعجن.، وتعتبر من التراثيات وتعلق فى مكان مخلص تملؤ بالماء ، (ويبدأ أسفلها يسيل قطرات) ويسمي بالقاطور ، غالبا ما يوضع عليه جواني مصنوعة من الزور تسمى الجراب فيبلل بالماء ، ومن ثمُ تضع عليها الخضروات والفواكه ، وتبقى مبللة طوال الوقت من جراء قطران الجحال ، ليس فقط ذلك بل تبقى شربة الماء أكثر لذة ومضربا للمثل فيقال ” بأنك ما شربت من الجحله ” يوصف بها لعذوبية ماءها واعتدالها فى موسم الصيف وبرودتها فى موسم الشتاء ، كذالك دلة القهوة تبقى ملازمة المكان ويبقي المكان مفتوحا لجميع المارة ولأهل البلدة ،
هذا جانب بينما الجانب الآخر كان رب البيت يسأل زائره ومن يأتيه ضيفا بأن يخرج له التمر من الخابيه أو الخرس المصنوع من الفخار والذي يعتبر من التراثيات أو من الجراب ، فالجراب مصنوع من خوص النخيل فكانت تتوشمهم حسن النوايا وصفاوة القلب ، ومجالسهم ومراقدهم بعيدة عن الصالات والأماكن المغلقة الذي غلبت عليها الحداثة ، فاليوم ازداد التكلف وتباعدت القلوب وأصبح من عاش فى ذلك الزمان يحن لتلك الأيام الجميلة التي رحلت بلا عودة .
وبقيت الذكريات لمن عاش تلك الأيام تؤرق مخيلته ، ويدعوا لأشخاص عاشوا معهم ورحلوا عنهم تاركين لهم أثرا فى حياتهم النبيلة عُرفت بالطيب والإخلاص .
نسال الله فى هذه الأيام المباركة وهذا الشهر الفضيل بأن يغفر لوالدينا ولوالد والدينا ولآباءنا وأجدادنا وأمهاتنا وأن يرحم أرواحهم الراحلة ويتغمدها فى جنات النعيم ، عاشوا بسطاء ورحلوا عن الحياة سعداء
اللهم أسعدهم فى جنات النعيم وأوردهم حوض نبينا الكريم وأكرم نزلهم وأجعلهم مع النبيين والصديقين والشهداء والأبرار .