حمود بن علي الطوقي يكتب: القبضة الحديدية لمعاقبة المفسدين

حمود بن علي الطوقي


أجزم أن مرحلة ما بعد كورونا سوف تنكشف فيها أمورا عديدة، وسوف يجد من كان يتهاون ويتطاول على المال العام نفسه أمام مواجهة القضاة وكرسي العدالة، ومواجهة سلسلة من التهم حول تقصيره في أداء الأمانة واستغلاله الوظيفة للتكسب وتضخيم حساباته المصرفية، ليوجه له السؤال المحوري والمنطقي: من أين لك هذا؟


سيتبين المستور وستنحني رؤوس ذليلة أمام المجتمع وسيكون الحساب من جنس العمل.


أذكر أنني في مطلع عام 2010 كتبت سلسلة مقالات عن الفساد ووضعت نفس العنوان الموجود على هذا المقال، وصَنفت آنذاك ألوان الفساد حسب اجتهادي، وذكرت أن من ألوان الفساد يوجد الفساد الأبيض والفساد الأحمر والفساد الأخضر والفساد الوردي، وأيضا الفساد الأسود.
وعلى الرغم من اختلاف ألوان الفساد، إلا أن المصطلح واحد وهو الفساد، وعلى مدار السنوات الماضية شمرت الأقلام الوطنية وكتبت عن آفة الفساد وتغلغل هذه الآفة حتى أصبحت ظاهرة يجب على الجميع العمل معا للتصدي لكل عمل يقود إلى الفساد.


نعود ونكتب من جديد ونضع تساؤلا مشروعا: لماذا يستمر الفساد وما هي الحلول التي يجب أن تطرح لتكون سببا في مكافحة الفساد، وأين يكمن الفساد وهل الفساد مرض أو حالة نفسية؟ وهل هناك حاجة لتدوير الوظيفة الحكومية وتشهير من يقعون متلبسين بممارستهم للفساد؟
يا ترى ما هو حجم القضايا المتعلقة بالفساد التي تحال إلى الجهات القضائية؟ وكم تصل مدة الأحكام التي تصدر في حق المتورطين.


وإذا كانت هناك محاكمات فلماذا تتسع الفجوة ونسمع أحاديث وروايات تشير أصابع الاتهام فيها إلى تعمد البعض بممارسة الفساد، وإذا طلبنا مثلا من الجهات القضائية أن تنشر بشكل دوري عن القضايا المحالة إليها بسبب تورط أصحابها بقضايا الفساد، والحالة هذه أيضا تعمم لكل الجهات الحكومية بأن تنشر في مواقعها عن تورط الموظف في قضية لها علاقة بالفساد، فلا شك أن النتائج المنشورة ستكون صادمة.


إذا رجعنا إلى المحاكمات العلنية والأحكام الصارمة التي طبقت على البعض نتيجة تورطهم في قضايا الفساد وتم الإعلان عنها، سنجد أنها رغم قسوتها لم تكن رادعة، وظلت المشكلة كما هي بل تتوسع رقعتها، فهل هناك علاقة سلوكية ونفسية تصاحب الفاسد في حياته وتتحول مع مرور الوقت إلى مرض يجب استئصاله؟.


لمعرفة هذه العلاقة بين الفساد وسلوك الإنسان، وجهت سؤالا لأخي وصديقي الدكتور حمد بن ناصر السناوي، وهو استشاري أول الطب السلوكي بمستشفى جامعة السلطان قابوس، عن السمات الشخصية التي قد تدفع الشخص إلى ممارسة الفساد، و قال لي: يشير علماء النفس إلى بعض السمات الشخصية التي قد تدفع الشخص إلى ممارسة الفساد، ومن هذه السمات:


ضعف التعاطف: وهذا يعني أن تجعل مصلحتك فوق الآخرين وألا تبدي أي اهتمام عن المعاناة أو العواقب السلبية الأخرى التي قد تقع على غيرك، فالشخص الذي يسعى لترقية موظف أو منحه علاوات استثنائية دون وجه حق، لا يتعاطف مع الموظفين الآخرين الأكثر استحقاقا للترقية والعلاوات، وببساطة فإن قلة التعاطف نوع من غياب الضمير.
التركيز على الذات: فالأفراد المفسدون يقدمون احتياجاتهم الخاصة على احتياجات الآخرين، وأيضا التلاعب حيث يتميز الأفراد المفسدون بالقدرة على خداع الآخرين، بل خداع أنفسهم ليستمروا في ممارسة الفساد دون الشعور بتأنيب الضمير، تارة تحت شعار “الغاية تبرر الوسيلة” وتارة أخرى “الكل يفعل ذلك بطريقة أو بأخرى”.
الاستحقاق: حيث يعتقد الفرد المفسد أنه يستحق النجاح أو الحصول على كل ما يريد، أكثر من الآخرين، وأنه يستحق معاملة خاصة ويقوم بإلقاء اللوم على الآخرين ويتجنب تحمل مسؤولية أفعاله.
الجشع: ففي دراستها البحثية عن فساد القطاع العام، تشير الباحثة النفسية جروبلر، أن البشر جشعون بشكل فطري، قد يتمكن البعض من احتواء الرغبة في الثراء السريع والإشباع الفوري بينما لا يتمكن الآخرون من ذلك، فالأشخاص الذين يشعرون بالحاجة إلى تجميع الثروة يغتنمون أي فرصة للقيام بذلك.


وكما تشير الدراسات الأخرى إلى دور التربية والقدوة في احتمالية قيام الفرد بالفساد، فكل منا يبدأ بتكوين أفكاره وقناعاته عن الأشخاص من حوله عن طريق التعلم المباشر أو غير المباشر من الأسرة ثم المجتمع، فالفرد الذي ينشأ في بيئة مشجعة للفساد يتعلم بأن ذلك جزء طبيعي من الحياة، فيكتسب ذلك السلوك من أيامه الأولى دون الشعور بالذنب.


قرأت وأنا أكتب هذا المقال عن قضية الفساد، كيف تمكن قاضي إيطالي ﺍﺳﻤﻪ “ﺃﻧﻄﻮﻧﻴﻮ ﺩﻱ ﺑﻴﻴﺘﺮﻭ كيف” تبني مشروع محاربة ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ عندما ﺍﻛﺘﺸﻒ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻘﺎﺕ ﺗﻮﺭﻁ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﻴﻦ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ ﺭﺷﻮﺓ، ﻭﺑﻌﺪ ﺗﻮﺳﻴﻊ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻭﺟﺪ ﺃﻧﻬﺎ ﺷﺒﻜﺔ ﺿﺨﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻮﻃﻨﻲ ﻣﺘﻮﺭﻁ ﻓﻴﻬﺎ ﺷﺨﺼﻴﺎﺕ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﻮﻇﺎﺋﻒ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻳﺎﺕ، ﻭﺯﺭﺍﺀ ﻭﻣﺪﺭﺍﺀ ﺷﺮﻃﺔ، ﻣﺪﻧﻴﻮﻥ ﻭﻋﺴﻜﺮﻳﻮﻥ، ﺩﺒﻠﻮﻣﺎﺳﻴﻮﻥ، ﺭﺟﺎﻝ ﺃﻋﻤﺎﻝ ﻭﺯﻭﺟﺎﺗﻬﻢ.
ﺍﺗﺨﺬ “ﺩﻱ ﺑﻴﻴﺘﺮﻭ” ﻗﺮﺍﺭﺍ اﻋﺘﺒﺮ ﺣﻴﻨﻬﺎ “ﺍﻧﺘﺤﺎﺭﻳﺎ” ﺑﺘﻮﻗﻴﻒ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﺘﻮﺭﻃﻴﻦ ﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﺼﺒﻬﻢ، ﺷﻤﻠﺖ ﺍﻻﻋﺘﻘﺎﻻﺕ حوالي 5000 ﺷﺨﺺ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 1000 ﻣﻦ ﺭﺟﺎﻝ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ، أطلق وقتها “ﺩﻱ ﺑﻴﻴﺘﺮﻭ” ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اسم “ﺍﻷﻳﺎﺩﻱ ﺍﻟﻨﻈﻴﻔﺔ” ﻭﺻﺪﻡ ﺍإﻳﻄﺎﻟﻴﻮﻥ آنذاك ﻟﺤﺠﻢ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻭﺧﺮﺟﻮﺍ ﻓﻲ ﻣﻈﺎﻫﺮﺍﺕ ﺗﺪﻋﻢ “ﺩﻱ ﺑﻴﻴﺘﺮﻭ” ﻭﺗﻌﺘﺒﺮﻩ ﺑﻄﻼ ﻗﻮﻣﻴﺎ ﻭﺃﺻﺒﺢ ﺍﺳﻤﻪ ﻳﻐﻨﻰ ﻓﻲ ﻣﻼﻋﺐ ﺍﻟﻜﺮﺓ ﻣﻊ ﺷﻌﺎﺭ “ﺩﻱ ﺑﻴﻴﺘﺮﻭ ﺟﻌﻠﺘﻨﺎ ﻧﺤﻠﻢ ..”.
ﺃﺻﺒﺢ بعدها هذا ﺍﻟﻘﺎﺿﻲ الشاب ﺃﺳﻄﻮﺭﺓ، ﻭﻟﻢ ﻳﻔﻬﻢ ﺍﻟﻤﺤﻠﻠﻮﻥ ﻛﻴﻒ ﺗﺠﺮﺃ ﻭﻓﻌﻠﻬﺎ، وﺣﻴﻦ ﺳﺌﻞ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﻛﻴﻒ ﻗﺎﻡ ﺑﺘﻠﻚ “ﺍﻟﻤﻌﺠﺰﺓ” ﻭﺫﻟﻚ “ﺍﻟﺠﻨﻮﻥ” ﺃﺟﺎﺏ: ﺃﻧﻪ ﺍﺗﺨﺬ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﻳﺪﻓﻊ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺛﻤﻨﺎ ﻟﺬﻟﻚ، ﻭﺃﻧﻪ ﺍﺟﺘﻤﻊ ﺑﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﺷﺒﺎﺏ ﻣﻦ ﻧﺨﺒﺔ ﺍﻟﺸﺮﻃﺔ ﻭﺃﻓﻬﻤﻬﻢ ﺃﻥ ﻣﺼﻴﺮ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﺑﺄﻳﺪﻳﻬﻢ ﻭ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻣﺠﺎﻝ ﻟﻠﺨﻮﻑ ﻭﺑﺪﺅﻭﺍ ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﺧﺘﺮﺍﻕ ﻭﺍﺳﻌﺔ ﻟﺸﺒﻜﺎﺕ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ، وجعلهم يؤمنون ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻳﺪﻣﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﺍﺧﻞ ﻟﺬﻟﻚ ﻳﺠﺐ ﺗﺪﻣﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺩﺍﺧﻠﻪ.
أسوق لكم هذه القصة لنفهم حجم هذه المشكلة والتي تتواصل كسلسلة ممتدة من الأزمان القديمة، ولكن في حالة وجود رغبة صادقة يمكننا أن نقضي على المشكلة، لهذا ونحن نستقبل الألفية الجديدة نريد أن نستنشق هواء نقيا بعيدا عن شوائب الفساد.
فهل سنقدر؟