حمد الصبحي*
لم يعد الموت خبرا يصعٌقنا ويصرعنا، كما كنا في السابق، “رحل الذين نحبهم”، بلا كلمات وداع، فقط هي قلوبنا دمعت على رحيلهم، ولم نتخيٌل البتٌة رحيلهم، شعراء، روائيين، كتاب قصة، ورساميين، وفنانين، رحلوا بموت مفاجىء، وإن كان الموت يتربصهم، يرحلون بتتال، كأنهم في رحلة أخيرة وأبدية، يرحلون عن حياة حملوا ثرائها في قلوبهم، أقاموا في الحياة، حياة، لعب وضحك وسهر، عاشوها وكأنهم على قدر لهذه الرحلة الأخيرة، هكذا أتذكر الصديق سعود الدرمكي، في مسرح الشباب، هذا الأنيق في لباسه ومظهره وساعته التي لاتفارقه وإن لم يلتزم بموعد البروفة في المسرح، مع مصطفى حشيش، ومكاوي وغيرهم الذين قدموا من مصر ليشاركوا في تأسيس المسرح العماني الجديد بعد إن أجهض بفعل فاعل، في بدايات تحرره من الكوابيس، يلتزم سعود كغيره من الشباب الهواة في المسرح على أن يكون أو لا يكون بعفوية، دون معرفتهم بمسرح شكسبير والمسرح الطليعي، فقط لأنهم يحبون المسرح، ينامون فيه، يحاولون، يجتهدون في تقديم الضحك والترفيه، والناس تضحك معهم، لكن المسرح لم يكن إلا خشبة صغيرة على مسرح الشباب والنظرة لاتزال ترقد في غرف الظلام، لأنه أقرب إلى المحرمات، حتى جاء التلفزيون ليكون لسعود مع رفيق دربه صالح زعل مكانة في قلوب المشاهد، في دوٌره الشعبي الذي أحبه الناس، ليتقمص البخيل بطريقته الكاريكاتورية التي يصعب تقليدها.
كانت الثمانينيات، مرحلة الأحلام الناقصة، تضجٌ بأن يكون الفنان العماني أقرب إلى المشاهد العربي، لكنه أتى بالمصادفة دون خلفية معمٌقة بالثقافة الفنية، فلسنا في مصر ولا بغداد ولا موسكو أو باريس، أو حتى الكويت، كلها اجتهادات فردية قامت على بساطتها في التمثيل والتأليف والسيناريو وحتى الإخراج بإستثناء الصديق أمين عبداللطيف، الذي لايزال يجرٌب في الكتابة والإخراج لما يملكه من أدوات فنية قائمة على موهبته ودراسته، قدم أمين تجربته الأولى الشعبية”الشايب خلف” برفقة الثنائي صالح زعل وسعود الدرمكي” نجح العمل في وقته حتى أغنية المقدمة كانت تردد في حارات عمان، وموعد بثه كان بالنسبة للمشاهد العماني التزاما، نجح سعود في شخصيته، تلبسته لسنوات طويلة، لكنه أجاد في أعمال أخرى لكن ليس بهذا النجاح، حتى أمين عبداللطيف الذي أخرج هذا المسلسل لا يعرف من قبل العمانيبن إلا إذا قال لهم أنا من أخرج ” الشايب خلف”.
سعود الدرمكي وإن كان أنيقا في مظهره ولبسه وساعاته وخاتمه الذي يكشف عنهما كأزاحة لماركة عالمية يحب الحياة الصغيرة، هذا ما رأيته لأول مرة عندما دعاني إلى شقته في مطرح مقابل مستشفى “الرحمة” الإرسالية، الذي هدم بمعٌول التجار وسمساسرة الذاكرة، في شقته الصغيرة، الدافئة كقلبه تنبض باالحكايات، كان بصبحتنا في تلك الليلة وتتلوها أكثر من ليلة المخرج محمد ناصر والمذيع سعيد الزدجالي، وهما أيضا في قائمة الرحيل، كنا نتحدث عن سر ساعات سعود التي يودعٌها في خزانة البنك البريطاني ب”روي”، مبررا بأن الساعات أجمل ماعنده ويخاف أن يسطو عليها أحد، كان أشبه بطفل وهو يتكلم عن الساعات، وعن أمتلاكه للأشياء، حتى في ألوان ملابسه النارية، كان يرى فيها طفولته في “ازكي” يبذر ماله في سهرة واحدة، لأنه يعوٌض الحرمان في صغره وطفولته، يحب أن يرى نفسه دائما في المرايا، لأن المرايا تضحكه على حد تعبيره، فيه مسحة سخرية صغيرة، قلما يراها البعيد، لكنها مشحونة بضحكة كبيرة، يحب الحياة كثيرا، ولم يكن مكترثا بصحته، طالما المرايا تضحكه والليل الطويل يضحك قلبه، إنه سعود الذي سنتذكره ويتذكره المشاهد العماني فيما قدمه، لأنه كافح كغيره من الفنانيين العمانيين وبصبر مشٌدود.
*كاتب وإعلامي عماني
