محمد المبارك خالد التيرابي*
إن من أخطر مقاتل الحضارة الغربية الاستعلاء على الحضارات الأخرى، حيث يحاول الغربيون أن يقدموا صورة براقة لفكرهم وموروثاتهم على أنها شيء لا يعتريه الخطأ أو النقصان. وهذه بلا شك نظرة مغالى فيها تستهدف النيل من الإسلام ومساهمة المسلمين في الحضارة الإنسانية عبر القرون، عندما كانت أوروبا في عداد “المفقودين” في العصور المظلمة. إذن فهذه محاولة لا يكتب لها البقاء لأنها لا تثبت أمام الحقائق العلمية المقررة!!!
يقول الله تبارك وتعالى: “ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم” (١) صدق الله العظيم.
فبرغم شهادة المعتدلين والمنصفين من الدارسين الغربيين لسبق الإسلام في شتى العلوم الطبيعية والرياضية والطب والفلك وعلوم البحار والكيمياء والفيزياء والأحياء وعلم الاجتماع الذي أسسه ابن خلدون إلا أننا نجد أن روح الاستعلاء هي السائدة، وأن الرجل الأبيض -هكذا زعموا- هو صاحب الفضل الأول والأخير في كل هذا التقدم الذي بين ظهرانينا!!!
يقول برنارد لويس: “إن أوروبا تحمل ديْنًا مزدوجًا للمسلمين والعرب، فقد حافظوا على التراث الفكري والعلمي الذي خلفه اليونانيون وتوسعوا فيه، ومن المسلمين والعرب تعلمت أوروبا طريقة جديدة في البحث هي طريقة تضع العقل أولاً ثم تنادي بوجوب البحث المستقل والتجربة”(٢).
لقد توقف المسلمون عن مواصلة السير في ركب الحضارة الإنسانية وهم الذين قدموا الكثير من العلوم التي هي أساس التقدم العلمي. لقد انشغل المسلمون بالتنافس والتناحر بينهم، كما حدث في دول الطوائف بالأندلس حيث أدى ذلك إلى سهولة الانقضاض عليهم من قبل الأعداء وقد تناسوا أن الإسلام هو دين العلم وأن أول كلمة ابتدأ بها القرآن الكريم نزوله هي “اقرأ”… “اقرأ باسم ربك الذي خلق” وهي دعوة صريحة إلى تحصيل العلوم والمعارف. والقراءة التي تكون باسم الله هي القراءة المثمرة النافعة، لا القراءة الهدامة الضارة كما أشرنا من قبل “ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم” (٣). صدق الله العظيم.
ولم يترك القرآن شيئًا من العلوم إلا وقد أشار إليه كما ذكرنا قبلًا، كعلم الفلك وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم البحار وعلوم الرياضة، وعلم الأجنة وعلم التأريخ الإنساني والآثار الحضارية، وعلم المناظرة والجدل الإقناعي. يقول الله تعالى: ” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد”(٤).
على صعيد آخر من مظاهر تأثر أوروبا ببلاد الإسلام والمسلمين وعلومها المتنوعة:
أولًا: ترجمة مؤلفات العلماء المسلمين في العلوم النظرية والتطبيقية، كالرازي والفارابي والخوارزمي وابن سينا الذي كانت مؤلفاته كالقانون في الطب تُدرس حتى القرن الثامن عشر من الميلاد في جامعة مونبوليه بفرنسا، بالإضافة إلى ابن النفيس والحسن ابن الهيثم وغيرهم.
ثانيًا: البحوث العلمية التي “استوردتها” معاهد أوروبا عبر الأندلس، والاحتكاك الحضاري والثقافي بين الجنوب الأوربي عامة.
ثالثًا: الحروب الصليبية التي جعلت من الغربيين يفيقون ويدركون مدى تأخرهم أمام التقدم والرقي في بلاد المسلمين، بالإضافة إلى حملة نابليون التي جاءت بجيشين… اولهما من المقاتلين والآخر من العلماء الذين خرجوا بكتاب سموه “وصف مصر”، دوَّنوا فيه كل صغيرة وكبيرة لما شاهدوه ولاحظوه من سبق علمي وحضاري!!!
رابعًا: التجارة المتبادلة والسياحة ورحلات المغامرين بين الشرق والغرب.
خامسًا: الاستكشاف والتبشير حيث وضع الرواد الأوربيون الأوائل أيديهم على مواطن القوة والضعف عند المسلمين، ليسهل السيطرة عليها مستقبلًا فيما عرف بالاستعمار بشقيه… القديم والحديث(٥).
وأصدق شهادة على تخلف أوروبا ورقي الشرق الإسلامي بفضل الإسلام في العصور الوسطى نص خطاب جورج الثاني ملك إنكلترا الذي أرسله للخليفة الأندلسي هشام الثالث في القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي، إذ جاء فيه حرفيًّا (٦): “من جورج الثاني ملك إنكلترا والغال -أي فرنسا- والنرويج إلى الخليفة هشام الثالث، بعد التعظيم والتوقير. سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم في بلادكم العامرة، فأردنا لبلادنا اقتباس هذه الفضائل لنشر أضواء العلم في بلادنا التي يحيطها الجهل من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة دوبانت على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنكليز”.
خادمكم المطيع
جورج
هذه هي حال أوروبا في العصور الوسطى إزاء حال المسلمين حينها، يصورها نص خطاب فيه التسليم بعظمة الحضارة الإسلامية وما بلغته من شأو رفيع. لقد انعكس الوضع تمامًا اليوم، فالكثير منا يُهرع إلى الغرب لاستعطافه وتقديم فروض الطاعة والولاء له!!! لقد كانت البعثات العلمية الأوروبية تهاجر إلى بلاد الأندلس لتستزيد من العلوم الإسلامية بينما يفعل المسلمون اليوم العكس تمامًا، إذ يهاجر أبناؤنا إلى الغرب ليس لأخذ العلوم وحدها كما كان يفعل الأوربيون، ولكن ليأخذوا ثقافات ومعتقدات أوروبا من فكر وفلسفة، ويا لها من تبعية عمياء لا تستحي بالمرة!!!
يقول الشاعر:
وما فتىء الزمان يدور حتى
مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يُرى في الركب قومي
وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلام كلَّ حُرٍّ
سؤال الدهر أين المسلمونا
تُرى هل يرجع الماضي فإني
أذوب لذلك الماضي حنينا
بنينا حقبة في الأرض ملكًا
يُدعِّمه شباب طامحونا
دعوني من أمان كاذبات
فلم أجد المنى إلا ظنونا
وهاتوا لي من الإيمان نورًا
وقوُّوا بين جنبيَّ اليقينا
أمدُّ يدي فانتزع الرواسي
وأبني المجد مؤتلفًا مكينا
وما يهمنا في عجالتنا هذه انه بالرغم من قصور المسلمين وتفرق كلمتهم وانهزاميتهم واستغلالهم من قبل الدول الغربية، واستنزاف مواردهم وإمكاناتهم، على الرغم من ذلك كله إلا أن الواقع الغربي اليوم لا يشجع على مزيد من الاستعلاء والكبرياء القومي، فقد أحسن المستر إيدن MR Eden رئيس وزراء بريطانيا الأسبق في وصف “بداية نهاية الغرب”، وذلك في بعض خطبه سنة ١٩٣٨م والتي تعرضنا لجزء منها قبلًا إذ يقول: ” إن أهل الأرض كادوا يرجعون في أخريات هذا القرن إلى عهد الهمجية والوحشية ويعيشون عيشة سكان الكهوف والمغارات. ومن الغريب المضحك أن بعض بلدان الدول الأوروبية تنفق ملايين الجنيهات على وقاية نفسها من آلة فتاكة تخافها، ولكن لا تنفق على ضبطها… وإني لأتعجب في بعض الأحيان وأقول: كيف لو زار العالم الجديد زائر من كوكب آخر وهبط إلينا فما عسى أن يشاهد؟!! سيجدنا نعد العدة لإهلاك بعضنا بعضًا، ونتبادل الأنباء عنها، ويخبر بعضنا بعضًا كيف نستعمل هذه الآلات الحهنمية”(٧).
وهكذا شهد شاهد من أهل أوروبا بحقيقة الوضع هناك، والسؤال الذي يفرض نفسه: ما هو دور المسلمين في ظل هذه المتغيرات المتسارعة؟ والتي غدت أمرًا واقعًا لا مفر منه، أن مسلمي اليوم مقصرون في نقل صورة الاسلام الحقيقية إلى الشعوب الأخرى، أو كما شهد شاهد من أهل الغرب بذلك ألا وهو مونتجمري واط في كتابه (محمد) كما سبق وأن أشرنا.
فهلا ثُبنا إلى رشدنا وأدركنا عبء المسؤولية الملقاة على عاتقنا؟!! واستمددنا القوة من وحي ماضينا الناصع. يقول الشاعر الكبير محمد غنيم:
مالي وللنجم يرعاني وأرعاهُ
أمسى كلانا يعاف الغمضَ جفناهُ
لي فيك يا ليل آهات أُرددها
أوَّاه لو أجدتِ المحزون أواهُ
إني تذكرتُ والذكرى مؤرقة
مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه
أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلد
تجده كالطير مقصوصًا جناحاهُ
كم صرفتنا يد كنا نصرفها
وبات بحكمنا شعب ملكناهُ
إلى أن بكى ماضي المسلمين بكاءً مُوجعًا:
بالله سل خلف بحر الروم عن عربٍ
بالأمس كانوا هنا ما بالهم تاهوا
فإن تراءت لك الحمراء عن كثب
فسائلِ الصرح أين المجد والجاهُ
وانزل دمشق وخاطب صخر مسجدها
عمَّن بناه لعل الصخر ينعاهُ
وطف ببغداد وابحث في مقابرها علَّ امرءًا من بني العباس تلقاهُ
أين الرشيد وقد طاف الغمام به
فحين تجاوز بغدادًا تحداهُ
وفي البيت الأخير إشارة لقول هارون الرشيد لغمامة: “امطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتيني”.
وننتقل مع شاعرنا في قصيدته العصماء حيث يُعدد شمائل الإسلام قائلًا:
إني لأعتبر الإسلام جامعة
للشرق لا محض دينٍ سنَّه الله
أرواحنا تتلاقى فيه خافقة
كالنحل إذ يتلاقى في خلاياهُ
دستوره الوحي والمختار عاهلهُ
والمسلمون وإن شتُّوا رعاياه
لاهُمَّ قد أصبحت أهواؤنا شيعًا
فامنن علينا براع أنت ترضاهُ
راعٍ يُعيد إلى الإسلام سيرته
يرعى بنيه وعين الله ترعاهُ
…………….
١)البقرة: ١٠٥
٢)أنور الجندي – شبهات حول الإسلام ص ١٢
٣)البقرة: ١٠٢
٤)فصلت: ٥٣
٥)د. عبد العظيم المطعني – المصدر السابق – ص ١٢١
٦)عبد الحليم الجندي – القرآن والمنهج العلمي المعاصر – ص١٧٦
٧)أبو الحسن الندوي – ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين – ص٢٢٣
*خبير استشاري في التطوير الذاتي والمؤسسي، والإعلام التطبيقي (بخبرات دولية)
taheel22@gmail.com
