جمال النوفلي يكتب: من باريس إلى جميلات شافهاوزن (2)

جمال النوفلي

 

حسنا، والآن أقف هنا أمام هذه البناية القديمة التي لا يبدو عليها شيء من أمارات الضيافة الفندقية وقد أدركت توا أنه تم خداعي والايقاع بي، وقد أنهكني التعب كثيرا بعد كل هذا المشي الكثير والبحث الجهيد بين الأزقة والشوارع والفنادق، لقد كدت أفقد تجلدي وأسلم نفسي للبكاء وأنا في هذه المدينة الكبيرة جدا وحيدا تائها فاقدا للحيلة، لا أعرف أحدا فيها ولا أرى فيها شيئا مألوفا مما عرفته وقرأته عنها في الكتب..، لولا أنني بعد طول انتظار أمام البناية رأيت عجوزين طاعنين في السن مقبلين نحوي من أسفل الشارع، كانا يدبان دبيبا لفرط بطئهما في المشي، والحق إنني استبشرت خيرا لرؤيتهما، فالآن يمكنني أن أسأل أحد سكان الحي عن فندق A Parisian BnB الذي ينبغي أن أقيم فيه.مرت عشر دقايق تقريبا وأنا أنتظر وصولهما، لكنهما لم يصلا، كانا ممسكين بأيدي بعضهما وهما يمشيان وفي أياديهما الأخرى عصي متينة، الزقاق كان هادئا جدا ورذاذ المطر يتساقط بخفة ليكسو أرضية الزقاق المفروشة بالحجارة الصلبة بريقا جميلا ينعكس على الأسقف والشرفات الصغيرة التي تتدلى منها مزهريات تتدلى منها عناقيد ورد أصفر وبنفسجي، اخترت أن أجلس على الرصيف حتى يصل العجوزان، بعد عشر دقايق أخرى كانا قريبين جدا مني، وقفت لهما استعدادا للتعريف بنفسي والسؤال، ابتسمت لهما ابتسامة بريئة، في المقابل لم أستطع أن أتبين ابتساماتهما لتجاعيد ووجوههما، كان بيني وبينهما مشوار عشر خطوات فقط لا أكثر حين توقفا فجأة وأخرج الرجل من جيبه مفتاحا، أدار به قفل باب كان موصدا على يمينه، دخلت العجوز ودخل هو وراءها، وسط ذهول مني لم أدر ماذا أفعل، هرولت إليهما حتى أمسكت بشباك الباب بقبضة يدي، أصيبا بالهلع مني، فتراجعت مبتسما، فأسرع العجوز لإحكام قفل الباب، قلت له بلطف من خلال السياج: إنني سائح عماني حجزت فندقا تشير خارطته وعنوانه إنه في هذه العمارة المجاورة، قال العجوز وقد استقر روعه: لا يوجد فندق في هذه المنطقة يابني، كثير من السياح مثلك يأتون هنا يسألون عن فندق ونخبرهم لا يوجد فندق، نشعر بالأسف لأجلك.كانت هناك لوحة مكتوب عليها باللغة الانجليزية:

No Hostel in this Building Its fake, please don’t ring

img-20200401-wa00547756170691421485574.jpg
لقد كنت حقا ضائعا في المدينة، لكني مع ذلك لم أفقد الأمل، ورحت أكتب في جوجل اسم الفندق وأبحث عنه، وهكذا بدأت مرة أخرى أجوب الشوارع جيئة وذهابا حول حديقة مونسوري الكبيرة التي كانت تجفف أشجاها وبساطها الأخضر تحت أشعة الشمس الساطعة، والناس فيها إما جالسون مع رفقائهم أو نائمون مع صاحبتهم أو يمرحون مع عوائلهم، بدت حقيبتي ثقيلة على كتفي حين عبرت مرة أخرى إلى محطة مترو cite universitair، قررت أن أبحث مرة أخرى في الجهة المقابلة من الشارع العام، بدت المنطقة هناك مختلفة شيئا ما أو فقيرة، بعض شوارعها كانت مترتبة جدا شممت فيها رائحة الاندومي وأغلب سكانها من الاسيويين الصينين، ثم بحثت في شارع آخر تفوح رائحة معسل الشيشة من مقاهيها والسوائل تسكب أمامك في الطرقات، شعرت وكأنني في المعادي أو في مصر القديمة، الناس كانوا ينظرون إلي بتوجس واستغراب، مشيت كثيرا، حتى وجدت شابين قاعدين على الرصيف يأكلان الحب، سألتهما باللغة الانجليزية عن الفندق الذي أبحث عنه، قال أحدهما وهو مسند ظهره على الجدار: نحن لا نتكلم الانجليزية.سألته أي اللغات تجيد، فقال: الفرنسية والعربية. ففرحت كثيرا قلت له: انتم عرب اذن.فهز رأسه بالايجاب، ثم عرفت بنفسي وأخبرتهم إني من عمان وأنا تائه وإنه تم خداعي من قبل الفندق، والان أبحث عن أي فندق رخيص يمكن أبيت فيه الليلة، فالشمس قاربت على المغيب.وبعد أن انتهيت من شرح كل ذلك، لم يقل الفتى شيئا، التفت الى صاحبه وسأله شيئا بالفرنسية لم أفهمه، ثم صار بينهما نوع من المزاح وضحكا.تبين أنهما لم يفهما شيئا مما قلت وإنهما ضحكا على نفسيهما لأنهما كانا يظنان أنهما يجيدان العربية، بعد حديث ممزوج بين اللغة العربية والانجليزية استطعت أن أفهم أنه لا توجد فنادق في هذا الحي وأن علي أن أعود من حيث أتيت.قبيل الغروب عثرت على فندق جميل اسمه B&B اخترته لأن الشمس أوشكت على الغروب ولأن اسمه قريب من اسم الفندق الذي احتال علي، وهناك سبب آخر ايضا، هو أن الفتاة العشرينية التي كانت تجلس على طاولة الاستقبال كانت قطعة من الجمال الملائكي، كانت بيضاء جدا وشعرها أشقر من لون عينيها البراقتين، كانت تنضح بالأنوثة والعذوبة، أعادت النشاط إلى روحي عندما قالت لي: أنت عماني صح؟انتابني شعور بالاستغراب من معرفتها بجنسيتي دون أن أخبرها أو يبدو علي شيء من ذلك:

  • ايوا انا عماني، كيف عرفت؟
  • عادي عرفت لأنه مكتوب في جوازك.
  • آه صح.. هههه

ضحكت وضحكت هي.. كانت ضحكة مثل الماء الذي ينسكب على الأرض اليباب، ثم قالت:

  • أيضا عرفت لأنني عربية من أصول جزائرية.
  • حقا.
  • نعم، لكنني أحمل الجنسية الفرنسية فقد ولدت هنا ولا أعرف شيئا من اللغة العربية، أنا أصلا مش عربية، أنا بربرية، لكني سعيدة بالتحدث إليك كوني من بلد عربي.
  • آه ، شكرا لك، بالنسبة لي لا فرق عندي بين عربي وبربري، الوطن يجمعنا.

حقيقة أنا أقع في مأزق عند الحديث عن مثل هذا الموضوع، فهي – كما حدثتني- فرنسية من أبناء الحي الذي ضعت فيه سلفا، وأن أغلب سكانه من المهاجرين وأغلبهم عرب، لأجل هذا هي أحبتني وأحب الحديث معي على الرغم من أصولها ليست عربية ولا تحمل الجنسية العربية.حسنا أيتها الأمازيغية الجميلة اعطيني مفتاح الغرفة فأنا مرهق جدا، ثم رجاء لا تذهبي بعيدا فأنا أرغب في الحديث معك.قالت وحمرة خجل تملأ وجنتيها: أنا هنا اليوم لن أذهب إلي أي مكان.قبل أن أنام في سرير الفندق البرتقالي (ألوان الفندق أخضر وبرتقالي) دعوني أخبركم كيف وصل بي الأمر هنا، كانت الرحلة طويلة جدا ابتدأت من مسقط في منتصف الليلة الفائتة، كان لا بد أن أنتظر في مطار حمد الدولي بالدوحة أربع ساعات حتى تقلع الطائرة التي ستقلني إلى باريس، ومن هناك ابتدأت رحلة النبيذ الأحمر.لم أحصل على مقعدي المفضل بجوار النافذة في طائرة الاريباص الكبيرة التي أقلتنا من مطار حمد في الدوحة إلى مطار شارل ديغول في باريس، استغرقت الرحلة أكثر من ست ساعات قضيتها في مشاهدة الافلام الامريكية والشرب الكثير والأكل، ومراقبة السيقان المكشوفة للنادلات، لذلك حين وصلت الطائرة إلى أجواء باريس لم يكن بميسوري أن أشاهد المدينة الساحرة، طبعا لم يكن السبب في ذلك هو أنني شربت كثيرا كما يظن بعضكم ولكن السبب هو أن مقعدي كان في المقاعد الواقعة في منتصف الطائرة، حيث كان متعذرا علي أن أرى أي شيء من خلال النوافذ البعيدة عن ناظري، على كل حال لم يفتني الكثير، حيث تبين لي لاحقا أن المطار يقع في أرياف المدينة، فلم يكن بمقدور أحد من هؤلاء القاعدين على النوافذ أن يشاهدوا شيئا من معالم المدينة.مطار شارل ديغول ليس مطارا جميلا كما كنت أتصور، كانت جدرانه مكشوفة لم تصبغ، وهناك أنابيب كثيرة منتشرة في قاعاته كنوع من التأثيث السخيف للمطار، لكنني لم أر أي جمال في هذا النمط من الديكور، وهذا أمر مؤسف جدا حقيقة، لأنني توقعت أن أرى البذاخة والأناقة والفخامة في كل شيء منذ بداية رحلتي في المطار وحتى اخر يوم لي، فصورة باريس كما هي في مخيلتي هي صورة مدينة الرقي والأناقة وأن كل شيء فيها جميل وراق ومهندم، لكن يا للأسف أن كل ما سوف تشاهده في هذا المطار -إن قدر لك أن تذهب هناك يوما ما- لا ينم عن أي شيء من سمعة المدينة.من المطار حصلت على بطاقة فودافون، قال لي البائع إنها ستكفيني طوال رحلتي للاتصال والانترنت، ليس في فرنسا وحسب وإنما في كل دول الاتحاد الاوربي، سعدت كثيرا بها، كان سعرها فقط ٩ ريالات، فتحت خريطة جوجول التي اختارت لي ارخص الطرق للوصول الى الهوستيل المشؤوم عن طريق المترو. ولكي أصل المترو كان علي أن أمشي كثيرا، ومشيت حتى وصلت بوابة محطة المترو التي لم أستطع الدخول من خلالها، كان علي أن أمرر تذكرة أو بطقاة لأتمكن من فتح البوابة، ولم تكن لدي تذكرة ولم يكن هناك شباك تبتاع منه التذاكر.الجميع كان متعجلا للحاق بالمترو ، لهذا كان علي أن أعود كل هذه المسافة لأجد موظفا أو حراس أمن أسأله عن التذاكر، ففعلت ولحسن الحظ أنني عثرت على أحدهم في منتصف الطريق، كان شابا في الثلاثين من عمره، أسمر السحنة قوي البنية، كان يتحدث الانجليزية بشكل كاف، أخبرته عن مشكلتي فأخذني إلى جهاز صغير يمكنني من خلاله شراء تذكرة، وعندما رأى بطاقتي البنكية انبهر وسألني: إذن أنت عماني!.قلت بسعادة: نعم.ثم قال لي: أنت تتكلم العربية.قلت بسعادة أكبر: نعم.ثم تكلم معي بالعربية فقال لي بفرح أنه عربي مغربي وإنه سعيد بمعرفتي وتقديم العون لي، عندها حزنت كثيرا..كان حزني ذاك بسبب أن صديقي الدكتور أحمد قد أوصاني كثيرا بعدم التعامل مع العرب وتجنبهم قدر الإمكان، لقد ظهرت لي صورة الدكتور أحمد فجأة وهو يقول لي: ابتعد عن العرب ابتعد عن العرب ابتعد عن العرب.. ، لكن هذا الرجل المغربي النبيل قدم لي خدمة جليلة لا يسعني معها الا أن أشكره على أقل تقدير..، فشكرته بكل حرارة ورحلت بسرعة والفزع يملأ قلبي.. ، وسيل من التساؤلات يملأ رأسي إذ كيف يمكن لهذا الرجل العربي أن يأذيني، هل يمكن أنه رأى الرقم السري لبطاقتي البنكية أثناء إدخالي في جهاز التذاكر فيرسل من يترصدني ويسرق البطاقة مني، هل يمكن مثلا أنه عرف وجهتي وفي أي فندق سأذهب فيرسل خلفي من يؤذيني ويسرقني..؟ لكنه رغم كل شيء بدا لي شابا لطيفا ويحب المساعدة بل ويقدمها للجميع سواء كانوا عربا أو غير ذلك..