بدر بن سالم العبري يكتب: كورونا بين الإيمان والدعاء والسببية الطبيعية

بدر بن سالم العبري


انتشر فيروس “كورونا” بشكل مخيف جدّا، حتى تحوّل إلى وباء يهدد الجنس البشريّ بلا تفريق بين أحد منهم، فبدأ في الصّين الشّيوعيّة، لينتشر في الشّرق عموما بتدينه واختلاف معتقده، وإلى الغرب بليبراليته ورأسماليته، فأصبح الإنسان كذات واحدة أمام هذا المرض، بعيدا عن المعتقدات الأيدولوجيّة، والتّصورات الماورائيّة.
وبطبيعة الحال لا تُهمني حاليا هذه الجدليّة، والعالم ليس لديه الوقت لشغل نفسه أمام هذا الوباء بمثل هذه الجدليات، وهي ليست جديدة، وسبق الحديث في مثيلاتها من الكوارث والأوبئة، ولكن الّذي أردتُ الحديث حوله ما رأيته في وسائل التّواصل خصوصا “تويتر” من تَهكم وسخريّة واستهزاء لمن يلجأ إلى الله بالدّعاء، أو أنّ الحدّ في الشّرق هو الدّعاء والغيب، والغرب يخترع وينتج ما يقاوم المرض، ثمّ فريق آخر يسقط الأحكام على البشر، ليصوّر ربّه بصورة فيه نوع من الوحشيّة، وكأنّه سلّط عذابه على العباد، لهذا فرح بعضهم بحصوله في الصّين، وتهكم وتسلى، حتى انتقل إليه في عقر داره، فأغلقت مساجده وكنائسه ومدارسه، وفريق آخر يعترض على التّسبب الطّبيعيّ في الوقاية من المرض مدعيا أنّ الإيمان خير واق، وأنّ لكلّ أجل كتاب، والمؤمن لا يخاف مثل هذه ولا يلتفت إليه، فانزعج من غلق الحرم لتعقيمه، أو تعليق الزّيارة إلى مكة أو المزارات، وغلق المساجد، وتوقيف الجُمع والجماعة.
لهذا في الحقيقة الأمر لا يخرج عن الجدليّة العقيمة الّتي لا تقدّم ولا تؤخر، فلا تعارض بين الإيمان وبين التّسبب، بل الإيمان يدعو إلى التّسبب والكشف، فالإيمان بالشّيء إيمان بضدّه، فإيماننا بوجود فيروس ضعيف هو في ذاته إيمان بالقدرة على مواجهته للقضاء عليه والحدّ من انتشاره، وهذا يتطلب السّببيّة، {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف/ 84 – 85]، وكلّ شيء في الكون بما فيه الفيروسات والميكروبات هو آية، والله أمرنا بالسّير في الأرض وكشف هذه الآيات، {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس/ 101]، فالتّوسل والدّعاء لا يتعارض بحال مع التّسبب والوقاية والكشف، نعم يتعارض في حالة واحدة، إذا تصوّر أنّ البلاء كان مرضا أو فقرا أو جهلا أو حربا يرتفع بمجرد الدّعاء والوسيلة، بحيث نغلق المستشفيات والمدارس ونكتفي بالخلوات والصّلوات، فهذا جهل مركب، لم يقل به دين، ولم ينزل به كتاب، ولم يعلّمه رسول، ولكن في الوقت نفسه الرّبط بالدّعاء والوسيلة هو اعتراف بالخالقيّة، الّذي يعطي نوعا من الاطمئنانة النّفسيّة والرّضا، ليولّد مساحة من التّأمل والكشف في دفع الضّر عن طريق التّسبب وليس التّواكل، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة/ 155 – 156]، لأنّ الإيمان الغيبيّ يولّد اسقرارا نفسيّا، والاستقراء النّفسيّ يعطي مساحة للبحث والكشف والسّير، لا التّقاعس والتّواكل.
فالّذي يصاب بمرض ما، ويتذكر نبي الله أيوب – عليه السّلام -، وقد نادى ربّه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء/ 83]، فكانت النّتيجة: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء/ 84]، فهذا لم ينزل من السّماء، فقد تسبب أيوب حسب عصره، وأعطاه الإيمان بربّه الاطمئنانة والرّضا النّفسيّ، فلم يتولّد لديه اليأس وبدأ حياته من جديد زواجا ليرزق بذريّة جديدة، وهذه لم تنزل من السّماء، ولو أصيب باليأس لأصيب بالاكتئاب الّذي يقود إلى الانتحار، فنسبة الشّيء إلى الله نسبة إلى الفاعليّة، ونسبة الشّيء إلى الوجود نسبة إلى الكشف والبحث والسّببيّة.
لهذا كان الاعتراض على أنّ هؤلاء حدّهم الصّلاة والدّعاء، وغيرهم البحث والكشف اعتراض في غير محلّه، ولا علاقة بينهما البتة، ونحن نعلم أنّ السّبب في التّخلف الطّبيّ عند العرب ليس الدّين بقدر السّياسات والطّائفيّة الّتي جعلت المنطقة بلاقع، بل الأديان ارتبطت بالطّب والتّطبيب منذ القدم، واستخدم في التّبشير، واعتبر من أفضل أنواع القربات؛ لأنّه خدمة للإنسان، وتخفيف لآلامه، وإنقاذ للبشر، ونحن ندرك مستوى الطّب في العراق وسوريّة مثلا، فتراجع ليس بسبب الدّين، ولكن بسبب السّياسات والحروب الأهليّة، فهذا الهندوسيّ في الهند، والسّنيّ في تركيا وماليزيا، والبوذيّ في تايلند، والشّيعيّ في إيران، واليهوديّ في إسرائيل، والمسيحيّ البروستانتيّ في أمريكا، يمارسون الطّب ويتفوقون فيه كمهنة إنسانيّة لا تتعارض مع أديانهم جميعا، بل تشجّعها الأديان، فمشكلتنا نحن العرب في الجانب الطّبيّ في السّياسات غير الدّاعمة وليس في الدّين، وهذا لا يعني عدم التّطور الطّبيّ كالأردن والمغرب وبعض دول الخليج، ولكن يحتاج إلى مناخ أفضل للإبداع فيه.
نعم، توجد عقليّة دينيّة تغرس في خطابها النّظرة السّوداويّة في البشر، وكأنّ الله في الأعلى يرسل صواعقه وعذابه، ومنها هذا الفيروس وغيره من الوباء، فيعارضون سبل الوقاية، ويرونها تتعارض مع الرّضا بالقدر، وقوّة الإيمان، فيتصورون توقيف الجماعات والجمع يتعارض مع الإيمان ودفع الضّر، وهذا في ذاته تصور خاطئ للإيمان نفسه، وقديما قيل: فررنا من قدر الله إلى قدر الله، أي من الإيمان في الوجود من ضر وبلاء إلى الإيمان بالتّسبب في البعد عنه ومدافعته، فكلاهما نتيجة سبب، فإذا عرف السّبب عرف العلاج، وحتى يعرف العلاج كانت الوقاية، والوقاية طاعة، كما أنّ الإيذاء معصية، والله يعبد بالطّاعة ولو في زاوية منفردة، ويصل إليه خضوع عبده ورجاؤه، وفي الوقت نفسه جعل لكلّ شيء سببا، فإذا أدرك السّبب أدرك ما بعده، وإدراك السّب لا علاقة له بدين ولا بغيره، ولكن بالإرادة والسّعيّ في ذلك.