“النقود الإسلامية المضروبة في عُمان”: كتاب يوثق تاريخ المسكوكات في خمسة قرون

د. أحلام بنت حمود الجهورية

 

يُعد علم النُمِّيَّات أو العملات أو المسكوكات أحد العلوم المساعدة لعلم التاريخ، ويحظى هذا العلم بأهمية كبيرة للباحث التاريخي؛ بما يقدمه من معلومات أصيلة تعين الباحث في توضيح الأحداث التاريخية وتصحيح بعض الحقائق، كما تقدم حقائق جديدة أغفلتها المصادر التاريخية مما يقدم قراءة جديدة لتلك الأحداث بما تحمله تلك العملات من دلالات دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية. من هذا المنطلق يقدم الباحث إبراهيم بن أحمد الفضلي إضافة نوعية للمكتبة العُمانية والعربية من خلال كتاب جديد يحمل عنوان: (النقود الإسلامية المضروبة في عُمان) من إصدار ذاكرة عُمان، ويقع الكتاب في ٤٠٠ صفحة وثماني فصول بعناوين واضحة متسلسلة تاريخياً كالتالي:

  • نقود عُمان في العصر الأموي (٤١-١٣٢هـ/ ٦٦١-٧٥٠م)
  • نقود عُمان في العصر العباسي الأول (١٣٢-٢٣٢هـ/ ٧٤٩-٨٤٧م)
  • نقود عُمان في العصر العباسي الثاني والأمراء المحليين (٢٣٢-٣٣٤هـ/ ٨٤٧-٩٤٥م)
  • نقود بني وجيه (٣١٤-٣٥٠هـ/ ٩٢٦-٩٦١م)
  • نقود القرامطة في عُمان (٣٥٤-٣٦٢هـ/ ٩٦٥-٩٨٣م)
  • نقود بني بويه في عُمان (٣٢٠-٤٤٧هـ/ ٩٣٢-١٠٥٥م)
  • نقود بني مكرم في عُمان (٤٠٨-٤٣٠هـ/ ١٠١٧-١٠٣٩م)
  • نقود أئمة عُمان الإباضية

منذ الوهلة الأولى تشعر أن هذا الكتاب يحمل الكثير فهو فخم مظهراً وجوهراً، ولنبدأ من المظهر، فغلاف الكتاب يحمل صورة دينار ذهبي يفتح شهية القارئ لسبر أغواره، وتم إخراج الكتاب بصورة جذّابة بدءً من تقسيم الفصول الثمانية التي تحمل ألواناً مغايرة يسهل التمييز بينها، مروراً بصور واضحة للنقود (دنانير/دراهم/فلوس). أما الجوهر فالحديث عنه يطول فهذا الكتاب يحمل قيّمة كبيرة تزيد عن القيمة النقدية التي تحملها صفحات الكتاب بصور العملات النقدية المختلفة وقيّمتها التي لا تقدر بثمن، حيث تمَّ نشر مجموعات من النقود المضروبة في عُمان مما لم تسبق دراستها أو نشرها من قبل. وتُسْتفتح صور العملات (النقود) في الكتاب بصورة أول عملة نقدية – أقدم اصدار نقدي من دار سك عُمان في العصر الإسلامي- مؤرخ في عام ٨١هـ وتعود لعهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (٦٥-٨٦هـ/ ٦٨٥-٧٠٥م)، وتُختتم الصور بصورة عملة نقدية عبارة عن درهم يعود لعهد الإمام الخليل بن شاذان الخروصي سُكَ في سنة ٤٥٣هـ.

ويوجز الرئيس التنفيذي للبنك المركزي العُماني طاهر بن سالم العمري في تقديمه للكتاب تلك القيّمة والأهمية بقوله: “يأتي هذا الكتاب سفراً يقص جانباً مهماً من تاريخ النقود الإسلامية التي نقش اسم عُمان عليها، من خلال الدول والأسر التي حكمت عُمان خلال خمسة قرون متعاقبة، ويلقي الضوء على الدور الكبير الذي قامت به عُمان في الحضارة الإسلامية”. كما تتأتى أهمية هذا الإصدار النوعي والأصيل كونه دراسة علمية متخصصة ومتكاملة عن النقود المضروبة في عُمان من القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي إلى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، حصل بموجبها الباحث على درجة الماجستير. فهذه الدراسة الأصيلة تقدم حقائق جديدة، وتصحح معلومات متداولة باتت من المسلمات وهي لا تعدو كونها حقائق خاطئة تم توارثها بين الباحثين، وهو ما أوضحه الباحث في خاتمة دراسته، ونوجز بعض المعلومات الجديدة التي أتت بها الدراسة:

  • تدلل الدراسة على أن أبي أحمد البيجرة كان والياً على نزوى في نهاية القرن الثالث الهجري من قبل أحمد بن هلال السامي (بني سامة) وهو والي الخليفة المعتضد بالله العباسي على عُمان ويدلل ذلك دينار ضرب بعُمان سنة ؟٢٨هـ يحمل اسمه مع اسم الخليفة المعتضد بالله.
  • تُثْبت الدراسة أن سُبكري غلام عمرو بن الليث حكم عُمان عامي ٢٩٧هـ و٢٩٨هـ وهو ما تؤكده دراهم ضَرْب عُمان في هاذين العامين وهي تحمل اسم سُبكري الذي تولى حكم الدولة الصفارية بعد إلقائه القبض على طاهر بن محمد حفيد عمرو بن الليث.
  • أثبتت الدراسة أن أئمة عُمان الإباضية (الإمام راشد بن سعيد اليحمدي والإمام الخليل بن شاذان الخروصي) ضربوا أسداس الدراهم وأثبتوا عليها أسماءهم، كما يظهر نقش السيف لأول مرة على النقود العُمانية في القرن الخامس الهجري على دراهم الإمام الخليل بن شاذان الخروصي منذ العام ٤٤٦هـ.

كما تُصحح الدراسة بعض المعلومات، ومنها:

  • محمد بن يوسف وَلِي عهد والده يوسف بن وجيه في عام ٣٢٦هـ وليس في عام ٣٢٨هـ وذلك من خلال درهم ضرب عام ٣٢٦هـ يحمل اسم يوسف بن وجيه وابنه محمد بن يوسف ولياً للعهد.
  • تولى محمد بن يوسف الحكم في عام ٣٣٢هـ وليس في عام ٣٣٤هـ وهو ما يؤكده درهم مؤرخ بعام ٣٣٢هـ ينشر لأول مرة في هذه الدراسة.
  • تُصحح الدراسة فترة إمامة الخليل بن شاذان الخروصي فهي كما أثبتتها النقود التي سكها الإمام الخليل: (٤٤٥-٤٥٣هـ/ ١٠٥٣-١٠٦١م) وليس التي تتداولها بعض الروايات التاريخية: (٤٠٧-٤٢٥هـ/ ١٠١٦-١٠٣٣م)

ختاماً.. يُقدم كتاب (النقود الإسلامية المضروبة في عُمان) العملات كوثيقة تاريخية مهمة بعد وضعها على مشرط الفحص والنقد والتحليل من قبل الباحث. ولعل أهم ما يقدمه هذا الكتاب إعادة ضبط التسلسل التاريخي لسجل الخلفاء والحكام والأسر التي حكمت عُمان؛ من خلال النقود التي سكتها والتي من خلالها يمكن سد النقص الذي يشوب المصادر التاريخية العُمانية عند ذكر الأحداث التاريخية.

 

المرجع:

  • الفضلي، إبراهيم بن أحمد. النقود الإسلامية المضروبة في عُمان. ط١، ذاكرة عُمان، مسقط: ٢٠١٩م.