تاريخ انتقال السلطة في عُمان.. مقاربات بين عصرين مختلفين

إعداد: فاطمة بنت ناصر

في كل عام تحتفل السلطنة في الثامن عشر من نوفمبر بالعيد الوطني المجيد تحت ظل قيادة الحكيم الراحل قابوس بن سعيد بن تيمور –طيب الله ثراه- تكتب الصحف الأجنبية عن مخاوف تتعلق بعواقب عدم تسمية السلطان لولي عهدٍ يخلفه.
وفي السنوات الأخيرة وبعد الصراعات “العربية – العربية” و”الخليجية – الخليجية”، زاد عدد المهوّلين من عظم كارثة خلو عرش عُمان في حالة وفاة السلطان قابوس.
إن هؤلاء لم يقرأوا التاريخ بل إنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء التساؤل كيف لأسرة واحدة تستمر أكثر من مائتي عام إذا لم يكن هناك وفاق داخلي بينها، ولحمة أكبر من طمع السلطة يوحدها ويجمع دماءها حولها؟.
ونظرا لقلة ما نعرفه حول تفاصيل انتقال السلطة في تاريخ هذه الأسرة، تأثر الكثير منا بالإشاعات الخارجية، وانتابته ولو للحظات مخاوف وشكوك حول عدم وجود وليٍّ للعهد.
ولكن كل ما حصل ليس سوى تكرار شِبْه كلي، لتاريخ قريب جدا لا يتوقعه الكثير منا.
في القادم سأتناول أمرين حول العرش العماني والعائلة الحاكمة، وسوف أقارب ما حصل قبل أسابيع بما حصل قبل ٨٨ عاما، وقد تتفاجؤون مثلي بتشابه الحاضر والماضي الذي يصل إلى حد التطابق.

أولا: قلق من شغور منصب ولي العهد في فترة حكم السلطان سعيد بن تيمور -رحمه الله-:

سبق وأشرنا أن صحافة الدول الغربية والعربية معظمها تعرض بالإشارة المباشرة أو بالتلميح البعيد عن عدم وجود وليٍّ للعهد بعد وفاة السلطان قابوس، لأنه ليس لديه أبناء ولأنه -رحمه الله- لم يسمّ في حياته وليا للعهد، وتمادت أغلب الوسائل الإعلامية في تصور وتنبؤ وضع البلاد بعد وفاة السلطان، وأغلب هذه الوسائل رجّحت إمكانية نشوب زعزعة في اللحمة الوطنية العمانية بعد وفاة السلطان قابوس.
ذات السيناريو تكرر قبل عشرات السنين وتحديدا في فترة حكم والد السلطان قابوس السيد سعيد بن تيمور -طيب الله ثراهما أجمعين-، ففي شهر مارس من عام 1940 أرسل الوكيل السياسي في مسقط رسالة إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج –الذي كان يقطن بوشهر-، يسرد في الرسالة وضع خلافة مسقط بعد وفاة السلطان سعيد بن تيمور، الذي كان يبلغ من العمر حينها 30 عاما.
تضمنت الرسالة عدم وجود وليّ للعهد وشغور هذا المنصب حتى ذلك الحين، وذلك بعد مرور 8 سنوات تقريبا على توليه حكم السلطنة، وقد كانوا يعتقدون أن السيد سعيد لم يتزوج حتى ذلك الحين.
وقد أقر البريطانيون في رسائل لاحقة بخطأ معلوماتهم بخصوص عدم زواج السيد سعيد الذي كان قد تزوج من امرأة ظفارية من أسرة عريقة هي السيدة الجليلة ميزون المعشنية -طيب الله ثراها- في عام 1933 ولديهما ابنة.

ثانيا: بشرى ولادة ولي العهد:

لم تمضِ سوى أشهر معدودة على رسالة المقيم السياسي القلقة بخصوص شغور منصب ولي العهد، حتى بعث السلطان سعيد بن تيمور رسالة خطّها بيده إلى المقيم السياسي، يعبّر فيها عن سعادته بولادة إبنه في صلالة، وقد أتى قابوس وزال قلق الجميع.
لكن تلك المرة ليست الأولى التي قلق فيها الإنجليز ولم تكن الأخيرة كما تعلمون، فالإنجليز ومعظم الدول الأجنبية والعربية كانوا قلقين من مصير السلطنة بعد وفاة السلطان قابوس، وقد خابت ظنون الجميع مرة أخرى وبنقل هادئ للسلطة إلى السلطان هيثم، تماما كما انتقل الحكم بسلاسة للسلطان سعيد بن تيمور والد السلطان قابوس -رحمهم الله- حين تولى حكم عُمان بعد تنازل أبوه السلطان تيمور.

ثالثا: تشابه مراسم تنصيب السيد سعيد وتنصيب السلطان هيثم:

لقد تناولت صحيفة الجامعة العربية الصادرة من فلسطين بتاريخ 3-2-1932 م نقلا عن مراسلها في مسقط، تفاصيل اعتلاء السيد سعيد للعرش، وبمقارنة تلك المراسم التي جرت قبل 88 عاما بالمراسم الأخيرة التي شهدناها لتنصيب السلطان هيثم، لوجدنا نقاط التقاء كثيرة أبرزها:

1- هدوء وسلاسة نقل السلطة: فقد علّقت صحيفة الجامعة العربية عند تنصيب السلطان سعيد بن تيمور بعد تنازل والده عن الحكم له قائلة : “أمضى عظمة السلطان تيمور بن فيصل سلطان مسقط وعمان، صكَّ تنازله عن السلطنة لولده ولي العهد صاحب السمو الأمير سعيد، الأمر الذي كان يسعى عظمة السلطان لتحقيقه من عدة سنوات خلت، بسبب اعتلال صحته، ومِثل هذا الحادث يجري لأول مرة في تاريخ البلاد العمانية، إذ لم يسبق أن تنازل سلطان عن السلطة لأحد في حياته بهذا الهدوء والطمأنينة وهذا مما يجعلنا نتفاءل بمصير سعيد لهذه البلاد في زمن عظمة السلطان الجديد”.
2- كلمة اعتلاء العرش: كما تطرقت صحيفة جامعة الدول العربية لمراسم التنصيب بالتفصيل حيث ورد فيها الآتي : “وبعد أن استقر على العرش -أي السلطان سعيد- نهض واقفا، فقام الجمْع إجلالا وبعد أن حمد الله وأثنى عليه تلا نطقا كريما بعبارة وجيزة، مبينا أنه سيسير بالسلطنة متبعا سنة آبائه وأجداده رافعا لواء العدل والرحمة، موطدا الأمن في البلاد، مهتما بعمرانها ورقي شعبه، سائرا بها إلى أوج العلا.
ومن جملة درر أقوال عظمة السلطان سعيد: “إن الضعيف قوي عندي بحقه، والقوي ضعيف إلى أن آخذ الحق منه ولا يأخذني في الحق لومة لائم”.

رابعا: مقاربات بين قراءة الوصية ومجلس العائلة:

1- قراءة الوصية “سلطان النعماني وأحمد الشبيلي”:
رأى جميع العمانيين معالي الفريق أول، سلطان بن محمد النعماني وزير المكتب السلطاني وهو يقرأ نص رسالة السلطان الموجهة للعائلة المالكة، والتي تحتوي على من سمّاه ليكون سلطانا لعمان من بعده.
أما تنصيب السلطان سعيد كان بعد كتابة السيد تيمور صك التنازل لابنه سعيد وهو لا يزال حيا يرزق، و قد قرأ الصك أو ما تم تسميته في الجريدة “الإرادة السنية” كبير الأمناء الخانبهادر الحاج أحمد الشبلي، حيث كتبت الصحيفة الآتي: ” تناول كبير الأمناء الخانبهادر الحاج أحمد الشبلي الإرادة السنية بكل احترام وبدأ بتلاوتها بكل وضوح على مسمع من الجميع وهي مُعنوَنة إلى أصحاب العائلة السلطانية ولرجال الدولة ومشايخ القبائل ورؤساء العشائر ولجميع أفراد الشعب في مسقط وعمان”.
وكان فحوى الإرادة السنية: “أنه بمناسبة ما يشعر به عظمة السلطان تيمور من الأمراض المزمنة التي تؤخره عن القيام بتحمل أعباء السلطنة والتي تضطره أن يكون بعيدا عن البلاد، فقد تنازل لولده صاحب السمو الأمير سعيد عن كل حق له في السلطنة ورفع يده عن كل ما يتعلق بها، ويصبح اعتبارا من تاريخه السلطان المطلق المتصرف في البلاد، المحافظ على قوانينها، المراعي للمعاهدات التي بين حكومته و الحكومات الأخرى وخصوصا الدولة البريطانية صديقة العائلة السلطانية، وقد تم الاعتراف بذلك من قبل الدول ذات العلاقة بالسلطنة وعلى رأسها الدولة البريطانية، وذلك لما يرى في سمو الأمير من الحنكة والدراية والمقدرة على تحمل أعباء الحكم وتصريف الأمور، وسيكون سموه بعد الآن سلطانا لمسقط وعمان وملحقاتها في ظفار وجوادر، كما يحتوي صك التنازل نصائح غالية موجهة للسادة أفراد الأسرة المالكة ورجال الدولة ومشايخ القبائل وغيرهما”.

2- رد الأسرة الحاكمة بين زمانين “السيد نادر والسيد فهد”:
تذكر صحيفة جامعة الدول العربية أنه عند الانتهاء من تلاوة الصك المذكور، قام كبير أمراء العائلة السلطانية سمو السيد نادر بن فيصل بن تركي -عم السلطان سعيد- وكان أكبر أفراد الأسرة سنا وقال:
“سمعنا الأمر الكريم الصادر عن عظمة أخينا السلطان وسنطيع ما جاء فيه وننفذه بحذافيره.
كما قال للسلطان سعيد بعد اعتلاء العرش: “بالأصالة عن نفسي والنيابة عن إخواني أفراد العائلة السلطانية أقدم شكرنا وخضوعنا لعظمتكم وسنكون نحن أول من يطيع ما تأمرون به فنحن عضدكم وسندكم، وإننا على استعداد لأن نفديكم بالأموال والأرواح، وإننا جميعا تحت إرادتكم ومطلق تصرفكم”.
وتقول الصحيفة أن كلمة السيد نادر أظهرت أن العائلة السلطانية كلها يد واحدة وقلب واحد وتؤيد عظمة السلطان، وهذا الأمر زاد من سرور أفراد الشعب واغتباطهم.
ثم تقدم هو والأخ الثاني لعظمة السلطان، الأمير حمد بن فيصل، تجاه السلطان سعيد وقال له:
“إننا نرجو أن يشرفنا صاحب العظمة فيتكرم بارتقاء أريكة السلطنة ونحن أول من يبايعه”.
وتذكر الصحيفة: إنه عند اعتلاء السلطان سعيد أريكة السلطنة بين خفق البنود وأصوات المدافع التي انطلقت من القلاع والتهليل والتكبير والهتاف بحياته، جرى كل ذلك بغاية من الأبهة والعظمة والإجلال، ثم أقبل الأمراء والعظماء من رجال الدولة بوجوه باشّة وقلوب خفاقة بالابتهاج والسرور لتقبيل يد عظمته الكريمة مبايعين ومهنئين.

وبعدما قامت العائلة المالكة بفتح وصية الراحل الكبير السلطان قابوس، قام السيد فهد بن محمود وهو أكبر الحاضرين سنا بقول كلمة معبرة تؤكد أيضا على لحمة العائلة ووقوفها مع السلطان الجديد.

المراجع:

١- الأرشيف البريطاني
٢- صحيفة جامعة الدول العربية. العدد ٧٧٥. تاريخ النشر ٢٤ شوال سنة ١٣٥٠ الموافق ٢ – مارس – ١٩٣٢م.