إصدار جديد يتضمن مراجعة في النص الديني حول الغناء والمعازف

شؤون عمانية- فايزة محمد

ضمن إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء  صدر مؤخراً للباحث العماني بدر بن سالم العبري كتاب “الجمال الصّوتيّ: تأريخه ورؤيته الفقهيّة، مراجعة في النّص الدّينيّ حول الغناء والمعازف” وذلك عن دار (والآن ناشرون وموزعون) بالأردن، حيث يقع في ثلاثمائة صفحة .  وسيكون الكتاب متوفرا في معرض مسقط الدولي للكتاب الذي سيقام في الفترة من 22 فبراير المقبل حتى 2 / مارس / 2020م بركن الجمعية.

والكتاب يشمل الجوانب المصطلحيّة والتّأريخيّة والرّؤية الجماليّة، ورؤية المدارس الفقهيّة الثّمانية، ومبحث الاستدلال، وأخير التّطبيقات خصوصا المعاصرة للغناء والمعازف.

ففي مبحث المصطلحات تحدّث عن شقي الفنّ والجمال، أمّا شق الفنّ تحدّث فيه عن الجانب المعنويّ والّذي يشمل مصطلح الغناء واللّحن واللّهو، والجانب المادي والّذي يشمل الشّعر والآلات الموسيقيّة والمعازف والموسيقى.

أمّا المبحث التّأريخيّ فتحدّث بداية عن الغناء والمعازف في العصور القديمة، حيث بيّن أنّ بداية نشأته مع وقع الإنسان وتعامله مع الطّبيعة، وأنّ الغناء بدون آلة أقدم من الغناء مع الآلة؛ لأنّ الثّاني مبني على المحاكاة، والأول على الغريزة، ثمّ تحدّث عن الغناء في التّوراة، وقضيّة العود مع النبيّ داود – عليه الصّلاة والسّلام -، وفيه أشار أيضا عن الغناء في الحضارة المصريّة القديمة، والحضارة الإغريقيّة، ثمّ تأثرُ الفكر المسيحيّ بالغناء وتأثيرهم فيه، وأخيرا الحضارة الفارسيّة أو الإيرانيّة القديمة، وتأثر العرب بالحضارتين الإغريقيّة والفارسيّة خصوصا الأخيرة.

بعدها تحدّث عن الغناء في العصر الجاهليّ، مفتتحا ببيان الجاهليّة، وهل هي عصر أم حالة متكررة، وطبيعة الغناء والآلات في الجاهليّة، وانتشار القيان، وغناء الحداء وترقيص الأطفال، ثمّ أعقبه بالعصر النّبوي، وتعامل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم – مع الغناء في المدينة خلاف مكة، وقضيّة الدّف وغناء الأفراح والأعياد.

بعدها تحدّث عن الغناء بعد العصر النبويّ، بداية من عصر الخلافة الرّاشدة، وهل هي تندرج في العصر النبويّ أم مستقلة، ولماذا ضعف الحديث فيها حول هذا الجانب، مع انتشار الغناء أيضا بقوّة في المدينة المنورة، ثمّ انتشار الغناء في العصر الأمويّ، ويعتبر هذا العصر نقلة نوعيّة لاهتمام الخلفاء، وبروز ملحنين ومغنين كبار، كسائب خاثر وعزة الميلاء ومسلم بن محرز، وفي هذا العصر بدأ التّدوين في هذا الجانب كما عند يونس الكاتب، كذلك تحدّث عن الغناء في الدّولة الأمويّة الثّانية في الأندلس وظهور فنّ الوشحات، ونقلها للغناء العربيّ والفارسيّ والإغريقيّ إلى أوروبا.

وبعدها كان الحديث عن العصر العباسيّ، حيث في هذا العصر بدأ التّقعيد في هذا الفنّ كما عند ابن زبلة والفارابيّ والحسين بن أحمد الكاتب، وظهور أدباء ومغنين كبار كعليّة بنت المهدي وإبراهيم الموصليّ.

 ثمّ الحديث عن الدّولة الفاطميّة وهي كالدّولة العباسيّة، إلا أنّ الفنان كانت له منزلة عند الخليفة، وظهرت الموالد في هذه الفترة، مع ظهور رموز كأبي الحسن الطّحان والمغنيّة نسب والصّفديّ وابن الهيثم، وكذا الحال في الدّولة الأيوبيّة حيث ظهر فيها رموز كابن سناء الملك والمغنية عجيبة، وجاء بعدهم المماليك وظهر عندهم فنّ الموشحات باللّغة الشّعبيّة وفنّ خيال الظّل، وظهور رموز كخديجة الرّحبانيّة وناصر الدّين القاهريّ.

ثمّ تحدّث عن الدّولة العثمانيّة، وبدأ التّأثر بالفنّ التّركي، وانتشار التّصوف بقوّة واهتمامهم بالموالد والمديح، كما أشار إلى الدّولة الصّفويّة، والاهتمام بالموالد والأناشيد المرتبطة بكربلاء ومقتل الحسين.

وخصص الباحث مبحثا عن الغناء في المجتمع والتّأريخ العمانيّ، مبينا سبب ضعفه وضعف التّدوين فيه للرّؤية الفقهيّة السّلبيّة، متطرقا من الإمامة الأولى إلى دولة البوسعيد، إلا أنّ الأخيرة كانت أكثر اهتماما خصوصا في عهد السّيد سعيد بن سلطان والسّيد برغش، إلا أنّ النّقلة النّوعيّة كانت في عهد السّلطان قابوس بن سعيد، وتحدّث في هذا المبحث عن النّشيد الوطنيّ متى بدأ، وهل كان للعمانيين نشيد وطنيّ قبل النّشيد السّلطانيّ، ثمّ تطرق إلى النّشيد السّلطانيّ من ألفه، وعدد كلماته، وأبياته الأولى، كما تحدّث عن قصة البرزنجيّ والموالد في عمان، ووضع أبي مسلم البهلانيّ النّشأة المحمديّة كبديل عن البرزنجيّ، والرّزحات الشّعبيّة، والآلات المستخدمة.

ثمّ تحدّث عن النّهضة الأوروبيّة واستفادتها من الحضارة العربيّة، وتطويرها له، وظهور السرح الغنائيّ (الأوبرا) بقوّة في القرن السّادس عشر الميلاديّ، وتأثيره على الفن الغنائيّ وآلاته إيجابا، إلا أنّ القرن التّاسع عشر الميلاديّ يعتبر عصر الإبداع لظهور موسقيين كبار كفيبر وبتهوفن وشوبرت وشوبان، مع وجود فلاسفة اهتموا بالغناء أيضا ككانت وهيجل وشوبنهاور.

وأخيرا تطرق إلى العصر الحديث وفيه ركز على الوطن العربيّ، وتأثير الرّاديو والتّلفزيون والمسرح ثمّ الأسطوانات الغنائيّة والشّريط السّمعيّ الكاسيت، وفيه تحدّث عن مدرسة سيد درويش وتلميذه سلامة حجازي مرورا بالقصبجيّ ومحمّد عبد الوهاب إلى كمال الطّويل وبليغ حمديّ ومكاويّ، مع ظهور رمزيات غنائيّة كبيرة كأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، إلا أنّ فترة السّبعينات من القرن الماضي يعتبر نهاية الفنّ الكلاسيكيّ وبداية الفنّ الاستهلاكيّ، والتّراجع في ذلك.

وبعد المبحث التّأريخي تحدّث عن فلسفة الجمال، بداية من الجمال في القرآن الكريم، ثمّ حضور فلسفة الجمال من العصر القديم وحتى العصر الحديث، وفي هذا المبحث أتى بثلاثة عشر نموذجا لهم رؤى فقهيّة وفلسفيّة وتحليليّة مغايرة للجمهور من القرن الخامس الهجري وحتى بداية القرن الخامس عشر الهجريّ، بداية من أبي حامد الغزاليّ وأخيه أحمد الغزالي، وقبلهم ابن حزم الأندلسيّ، مرورا بإخوان الصّفا وخلان الوفا، ومحمّد الشّاذليّ، والشّوكانيّ، ورشيد رضا، وشلتوت، وبيوض وتلميذه البكريّ، ومحمّد الغزاليّ، ومحمّد حسين فضل الله، ومحمّد عمارة، وأخيرا القرضاويّ.

وبعد هذا المبحث انتقل الباحث إلى المدارس الفقهيّة الثّمانية، مبينا أهم الأقوال الفقهيّة فيها حول الغناء والمعازف، وهي: الإباضيّة، والزّيديّة، والجعفريّة، والحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة، والظّاهريّة.

وبعد هذا المبحث انطلق إلى مناقشة الأدلّة، بداية من القرآن الكريم، وفيه دليل واحد للمجيزين، وستة أدلّة للمانعين، ثمّ تطرق إلى الرّواية، متبعا منهج سيد رشيد رضا في الجملة في حصر أهما والمدار عليها في ردّه لأهل جاوة بإندونيسيا، حيث من أتى بعده عالة عليه، وهي ستة أدلّة للمجيزين، وعشرة أدلّة للمانعين، بعدها تحدّث عن أدلّة الجواز عند الصّحابة مكتفيا بعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الرّحمن بن عوف وعبد الله بن جعفر كنموذج، ثمّ تطرق إلى الإجماع، وأخيرا سدّ الذّرائع.

وفي خاتمة الكتاب تحدّث بصورة مختصرة عن بعض التّطبيقات والجدليات حول الغناء والمعازف، حيث تحدّث عن المرأة والغناء، والغناء للأطفال في الدّمى وغيرها، والسّماع العرفانيّ، والرّقص مع الغناء، والصّفير والتّصفيق، واستخدام الموسيقى كعلاج، والتّغني بالقرآن، وموسيقى المؤثرات الصّوتيّة، والموسيقى الحربيّة، وموسيقى قاعات الانتظار، والتّكسب بالغناء، وتعلّم وقراءة كتب الغناء، وإتلاف آلات اللّهو، وألحان أهل الفسوق، وأخيرا ضوابط الغناء.

علما أنّ أصل الكتاب بحث صغير قدّمه كبحث تخرج لكليّة العلوم الشّرعيّة بسطنة عمان 1423هـ/ 2003، ثم ارتأى إعادة صياغته وتطويره بشكل أكبر بعد مرور خمس عشرة سنة من كتابة البحث، حيث زاد فيه الأغلب، ونشر المباحث التّأريخيّة والرّؤى سابقا في صحيفة شؤون عمانيّة في ثلاثين حلقة.