محمد المبارك خالد التيرابي
عدم إفلاح كثير من الشباب في تحقيق أمانيهم في إيجاد العمل المناسب لهم ومن ثم الاستقرار النفسي بالزواج كإجراء طبيعي غدا هاجسًا يؤرقهم أيَّما أرق وبخاصة في ظل كثرة الخريجين من الجامعات والمعاهد العليا مع محدودية استيعابهم في الوظائف المتاحة!
وهذه معضلة كبيرة لا تجد حلًا إلا في ظل التنمية الناجزة ذات الإمكانات المريحة وهو أمر لا تضمنه الدول كلها إذ يتوقف ذلك على مقدراتها من الموارد المالية شريطة ألا يكون هنالك فساد مستشرٍ ينال من شعوبها ويئد تطلعاتها للعيش الكريم!!!
وفي ظل عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول تزداد الأمور تعقيدًا إذ يتوق الشباب إلى المكاسب السريعة بعد أن يراودهم بصيص أمل نحو الأفضل وبخاصة في ظل المتغيرات الراهنة الرافضة للاستكانة والإذلال، وهذا بالطبع لا يتحقق بين عشية أو ضحاها فما أسرع ما يُهدم وما أصعب ما يُبنى! فالأمور تحتاج إلى صبر مع السعي الحثيث إلى التفاهم والتعاون بقصد القضاء على هاجس البطالة ومضاعفة الإنتاج المثمر، فكثير من الشباب يرفض القيام بأعمال “وضيعة” لا تتفق مع شهاداته وطموحاته ولو من قبيل التدرج والمرحلية، كما أن الالتحاق ببعض التخصصات الدراسية العلمية المرغوبة من الطلاب بين أبناء الدول النامية أكثر من المتوفر من الوظائف ذات الصلة وليست هنالك معدات وأجهزة حديثة كافية لتفعيل تلك التخصصات في ظل ضيق ذات اليد!!!
ومن الشباب من يسعى للوظيفة فقط دون محاولة لتطوير ذلك في المستقبل فيعيش موظفًا ويموت موظفًا قانعًا بالراتب الشهري بينما في دول أخرى يتطلع المرء إلى أن يبدأ حياته موظفًا لاقتناء الخبرة الكافية ثم يؤسس عملًا خاصًا به، أو يكون شريكًا على نحو من الأنحاء في آخر المطاف، ولا يتورع في أن يبدأ حياته العملية بطريقة مبسطة حتى يحقق ما يصبو إليه في المدى البعيد عبر إتقان العمل وبناء العلاقات الضرورية لاستمرار النجاح!
وربما يضطر إلى الاغتراب أو الهجرة إلى بلدان أخرى ولكن بعد أن يُسلِّح نفسه بالمهارات المتطلبة واللغات اللازمة.
فكثير من الشباب في الدول النامية يتطلع إلى الهجرة بغية الحصول على عمل مجزٍ براتب مريح من غير أن يُعد نفسه لذلك منذ سنوات الدراسة، فيفاجأ بصعوبة بالغة في المنافسة وذلك يعود لافتقاره للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى الذي مرده عدم التوجيه المبكر جراء غفلة المعلمين وتخبط المناهج العلمية أو عدم أهلية الأسرة لتقديم النصح الضروري في الوقت المناسب!
وربما يكون للأبوين دور في إرغام أبنائهم على دراسة ما لا يرغبونه ولا يجيدون العمل فيه مستقبلًا إذ لا يتفق ذلك مع استعداداتهم ومواهبهم الفطرية، ولكم ضاع طلاب في ظل إقحامهم فيما لا قِبَل لهم به بفعل ضغوط الأسرة من غير تدبر واقعي وواعٍ!
وكذلك لأصدقاء السوء دور أساسي في توجهات الشباب فلكم ضلَّ الكثير بسبب الصحبة غير الطيبة من خلال تأطيرهم في جو بعيد عن التعقُّل والمنطق لشح ما عند رفقائهم من معلومات ثاقبة الرؤية وذلك بحكم التفلُّت والتسيُّب الذيْن أشرنا إليهما في وقت سابق!!!
هذا عدا غفلة الرقيب الواعي الذي يرصد الحركات والسكنات ويوجِّه بهدوء كناصح أمين لتدارك الأمور قبل فوات الأوان في عالم كثرت فيه الشواغل والهواجس بصورة تدعو إلى الإشفاق ذلك أن تأثير الشارع غدا أقوى وأفعل من تأثير البيت والمدرسة!!!
فاختيار الأصدقاء أمر بالغ الحساسية وبخاصة في أيامنا هذه، فوقْع صديق السوء أليم على المستقبل ولا يمكن معالجته بسهولة ويسر وقد يكون مدمرًا تمامًا في ظل الفوضى الأخلاقية التي تسود حياة أبنائنا وبناتنا في هذا الزمان، يقول الشاعر :
إذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فترْدَى مع الرَّدِي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
فالمستوى التحصيلي العام عند الشباب لا يبشر بخير ما لم تُتخذ إجراءات “وقائية” حاسمة وسريعة! فلانتفاء الوازع الديني في الغرب أثره الجلي هنالك والذي لا يحتاج إلى تدليل وأخشى ما يخشاه المصلحون انتقال العدوى كاملة من الغرب إلى البلدان النامية في غمرة التوجهات العلمانية الإلحادية الأخيرة لبعض الشباب في ظل فشل كثير من “المتدينين” الذين كانوا يحسبون على النزاهة والتجرد في تأمين تطلعاتهم، ومن هنا بدأ ضعاف الإيمان يطعنون في مقدساتنا وموروثاتنا الحضارية طبقًا لما هي الحال عليه في الغرب وبخاصة من منظور “المغلوب مولع بالغالب في زِيِّه ونحلته وسائر عوائده وأحواله” كما ذكر العلامة ابن خلدون في مقدمته.
وهذا يؤطر في إطار الثقافة الإحلالية التي يراد لها أن تحل محل ثقافة أخرى ويبدو أنها نجحت إلى حد كبير في مسعاها غير المحمود حسبما خطط لها مدبروها في أن تستحوذ على اهتمامات شبابنا وتغريهم بالإثم والعدوان والشطط غير آبهين لما يجري حولهم!!!
*خبير استشاري في الإعلام التطبيقي، والتطوير الذاتي والمؤسسي بخبرات دولية
taheel22@gmail.com
