محمد صالح صرخوه*
أفنى أفلاطون حياته راكضا خلف حلم “الحاكم الفيلسوف” والدولة المثالية، حيث يقف القانون والحاكم على مسافة واحدة من الجميع، ولا يمتاز أحد على أحد إلا بمعيار الإنسانية، وهو معيار جدير بجعل كل إنسان في الدولة مستقلا محفوظ الكرامة بما لا يقل عن الحاكم نفسه وأُسرته.
ويرى كثيرون أن أفلاطون كان مفرطا في مثاليته بتصوّره هذا للدولة، لكني أرى غير ذلك، فلم يكن أفلاطون مفرطا بالمثالية بقدر ما أفرَطت البشرية بعبادة الطاغوت وصُنع الفراعنة!
في عالم أحادي القطب -حيث يكون الموقف المحايد المتحرر من قبضة القوى الاستعمارية صعبا كالسير على خيط رفيع يمتد بقُطر الكرة الأرضية بكاهلٍ مُثقلٍ وشعبٍ كامل متعدد الأطياف- نجح السلطان قابوس -وحده- بتحقيق الموقف المحايد، ولم يكن لأحد أن يلُمه لو أنه فشل، فقد فشلت كل الوجوه في المشهد السياسي العالمي، بيد أنه لم يتّبعها، وهو موقف لا يمكن لأحد اتخاذه دون استشعار العزة نابعة من الذات غير مستقاة من صكوك الاعتراف التي توزّعها الصهيونية العالمية وأصدقاءها المخلصين لتُخرج لنا حاكما عربيا لدولة صغيرة يكاد لا يتبيّنها الناظر إلى الخريطة بنياشين صدرٍ ما حظيَ بربع عددها هتلر نفسه! ولا «مارس» إله الحرب الروماني.
في عالم تحكم فيه الرأسمالية قبضتها على كل ماديات الأرض ومعنوياته، من الإبرة إلى التفكير البشري! يتشابه فيه الناس بالذوق والفهم والغباء البحث عن القيمة واستشعار السلطة ببضع كلمات على تويتر، وحده “قابوس” تمكّن من الاستقلال بالإنسان، وبناء عقله من مستوى مجتمع رعوي يعيش ثقافة الكتاتيب والحلقات إلى مستوى شعب لا يقلّ تحضّرا عن شعب السويد مثلا! ويفوق كافة شعوب المعمورة خُلقا وأصالة.
إن عمان القرن الواحد و العشرين بفضل “قابوس” هي عمان الأكاديميات، كما أنها عمان مَطرَح ونزوى وحلوى صور.
لم تكن لقابوس ثقافة “هذا ولدنا، وذاك ولد الخدامة”، فلم يحدث ولو لمرة واحدة أن خوّن الرأي العام العماني أحد مكوّناته لأسباب عرقية أو طائفية، فالرأي العام في عمان محترم لا يتم صُنعه في أوكار الاستخبارات بعقليات صبيان أمن الدولة كما يحدث في معظم العالم العربي البوليسي!
الناظر إلى المشهد العالمي المكفهر ودوله الكرتونية وأراجوزات حكّامه المضحكين المبكين من جهة، ومن جهة إلى الوضع السياسي الراهن، ومن جهة أخرى إلى عمان قابوس، يدرك حجم الفقد الذي أثقل كاهل الأمة برحيل السلطان قابوس، وكلما أتّسع الفقد تضاءلت الكلمات، وليت بلوغ الحق كان بسهولة التحدّث عنه!
المجد والرحمة والنور لروح الفقيد الغالي، الحاكم الذي جسّد حلم أفلاطون واقعا، كل العزاء لشعبنا العماني وكل شرفاء الناس الذين أوجعهم هذا الفقد، والخير والبركة بالسلطان هيثم بن طارق بن سعيد خير خلف لخير سلف.
*كاتب وشاعر كويتي
