زكريا بن عامر بن سليمان الهميمي
تردد قلمي كثيرا عند محاولتي خط سطور حول شخصية عمانية عظيمة غرست في قلوب وعقول جميع العمانيين والعمانيات صفحات من نور ، فشحذت الهمة لأدون سطورا متواضعة بحروف قليلة لا تفي حق تلك الشخصية العمانية الوطنية ولكن كشهادة يسيرة على تاريخ من ذكريات حياتي ادونها للجيل الحالي وللأجيال المستقبلية جيل عمان الواعد، من الوهلة الأولى رجعت بي الذاكرة عندما كنت في عهد الطفولة في بداية الثمانينات الميلادية كنت أسرع لأفتح التلفاز الساعة الثالثة ظهرا كل يوم لأشاهد بث تلفزيون سلطنة عمان فقد كان التلفزيون العماني هو القناة المرئية الوحيدة في ذلك الزمان حيث لم تكن توجد في تلك الفترة أية قنوات فضائية أخرى كما هو حال اليوم، فأفتح التلفاز العادي الذي أحضره والدي من مدينة دبي، فكان هذا التلفزيون أحد أوائل أجهزة التلفاز في ولاية بهلا إن لم يكن أولها على الإطلاق، فأفتح الشاشة الفضية الصغيرة فأرى وأسمع عبارة سلطنة عمان وعبارة أخرى تقول جلالة سلطان البلاد المفدى، ومن ذلك اليوم ارتبط اسم عمان واسم قابوس في نفسي وكياني، وفي فترة المساء بعد صلاة العشاء كنت أسرع لأفتح الراديو القديم الذي أحضره والدي من دولة الكويت الشقيقة في فترة بداية الستينات الميلادية، فكنت أستمع منه أخبار السلطنة والسلطان خاصة من القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، أو من إذاعة سلطنة عمان، وكنت أستمع الإذاعة حتى موعد الخلود للنوم، وكعادة أي طفل يحب البحث والاستكشاف والسؤال عما يجهله، كنت أسأل أمي عن تلك الشخصية المؤثرة في عالمي الصغير، فتقول لي بحنانها : ” يا ولدي أنا أول مرة سمعت فيها اسم قابوس كان في منتصف الخمسينات الميلادية عندما تم في أحد الأيام رفع العلم الوطني في وسط الطماح قلعة بهلا الشامخة، فبعد الانتهاء من رفع العلم هتف أحدهم قائلا : يعيش أبو قابوس، فمنذ ذلك الحين بدأ الناس في ولاية بهلا الحديث عن ابن السلطان وكأنهم كانوا يستشرفون المستقبل الذي لا يعلمون ما يخبؤه لهم، ثم تدور عجلة الزمن يا ولدي ويأتي شهر أغسطس عام ١٩٧٠ م، عندما علمنا أن جلالة السلطان قابوس المعظم تولى مقاليد الحكم في البلاد وأن أهالي ولاية بهلا سيستشرفون بلقاء جلالته في قلعة بهلا التاريخية الشامخة العظيمة، حيث كان والي ولاية بهلا في ذلك الزمان هو الشيخ محمد بن مهنا العبري، فجلسنا على الطريق الترابي غير المسفلت نترقب شوقا لقاء الموكب الميمون، فأطل علينا بطلته البهية حيث كان يركب سيارة صالون زرقاء اللون وتحف به عدد من الخيول العربية الأصيلة، فدخل حصن الطماح، ومكث فيه برهة من الزمن، ليغادر ولاية بهلا بمثل ما استقبل به من حفاوة وتكريم، ويشاء القدر في عام ١٩٧٣ م أن أكون في مستشفى نزوى الذي أسسه جلالته كصرح صحي خالد، فكانت زيارة جلالته لغرف المرضى بنفسه دفعة معنوية للمرضى، فرأيته وهو يطل علينا من باب الغرفة مسلما علينا وسائلا الله جل وعلا أن يمتعنا بالصحة والعافية ” انتهى كلام والدتي الكريمة، أما والدي الكريم فذكر لي في طفولتي أنه كان مستقلا سيارة في طريقه من مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية الشقيقة أرض المهجر إلى دولة الكويت الشقيقة وكان في صحبته صحفيين من إخوتنا العرب أبلغاه في يوم ٢٣ يوليو من عام ١٩٧٠ م بالتغيير الذي حصل في السلطنة بتولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مقاليد الحكم في عمان، فقرر بعدها الرجوع إلى وطنه الأم عمان عام ١٩٧٢ م بعد رحلة طويلة في الغربة، انتهى كلامه، وتدور عجلة الزمن والتحق بعدها بمدرسة حارة صالح لتعليم القرآن الكريم “الكتاب” في ولاية بهلا العريقة تعلمت فيها مع المعلم الفاضل سليمان بن ناصر المحروقي رحمه الله مبادئ القراءة والكتابة لينفتح لي باب القراءة على مصراعيه ، وبعدها بسنوات قليلة التحقت بإحدى المدارس الحكومية في ولاية بهلا فأرى أول ما أرى صورة جلالته وهي تزين كل كتاب مدرسي، ويشاء القدر أن أرى قابوس عيانا في الصف الأول الابتدائي حيث جاء معلم الفصل وأخبرنا أن جلالته سيمر في الشارع العام القريب من المدرسة، وعليكم الخروج لاستقبال جلالته، فذهبت ومعنا المعلم وطلبة المدرسة لنمتع أبصارنا برؤية جلالته لأول مرة عيانا في حياتنا، ورأيته وهو يلوح لنا بيده الكريمة والبشر والفرح يتهلل في محياه، ثم كانت عادة جلالته السنوية في الجولات السلطانية السامية أن يمر علينا بموكبه الميمون كل عام تارة وقت خروجنا من المدرسة أو في أوقات أخرى، فكنا ننتظره شوقا على حافة الشارع العام بالقرب من قلعة بهلا التاريخية المهيبة وجامع بهلا التاريخي القديم وسوق بهلا التراثي العريق، وأذكر أن أحدهم ذكر لي في تلك الفترة أن جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم نزل ومشى على جسر شارع بهلا ليرى جمال وادي بهلا الذي كانت تكسوه الخضرة لوفرة مياهه الرقراقة، كما ذكر لي أحد أيضا أن جلالته وقف متأملا من موكبه الميمون موجها بصره لجبل بهلا معجبا بتحويل ذلك الجبل المهيب ليحتضن محطتين مضيئتين بمصابيح حمراء اللون، أحدهما للهاتف السيار والأخرى للبث التلفزيوني ما تزالان شامختين باطلالتهما على بانوراما وسط مدينة بهلا العريقة، وبعد تعلمي القراءة والكتابة اعتدت في مقتبل حياتي على قراءة صحيفتي الوطن وعمان لأنهل منهما ينابيع المعرفة عن الوطن وقائد الوطن، إضافة إلى اطلاعي على بعض الكتب عن عمان التي كانت في مكتبة والدي التي أحضر معظمها في الخمسينات والستينات الميلادية من بلاد الغربة، وأذكر منها الآن كتاب” عمان تاريخ يتكلم” للشيخ محمد السالمي بالاشتراك مع كاتب عربي اسمه ناجي عساف، كما أعجبت أيضا بكتاب الباحث روبرت جيران لاندن” عمان مسيرا ومصيرا” ، وقرأت كتبا للباحث البريطاني القدير ولكنسون المتخصص في شؤون عمان، وتشاء الأقدار بأن أنهي المرحلة الثانوية والتحق بعدها بصرح يحمل اسم هذا القائد لأمكث فيه قرابة الخمس سنوات، وفي رحاب جامعة السلطان قابوس، تعرفت إلى إحدى غرف الجامعة وكانت تقع في مبنى المكتبة الرئيسة، تلك الغرفة التي كانت تحمل اسم عمان الغالية ( غرفة عمان) ( مركز الدراسات العمانية حاليا) ، فارتبطت نفسي بها وساهمت تلك الغرفة بكل ما تحمله جنباتها من تراث عمان القديم والحديث من كتب وبحوث ودراسات ورسائل علمية في فهم أعمق لشخصية جلالة السلطان قابوس، ويشاء القدر السعيد أن أتشرف برؤية جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم وأنا طالب في الجامعة في رحاب جامعة السلطان قابوس في الثاني من مايو عام ٢٠٠٠ م، فرأيته عن قرب وهو يمشي الهوينا في ممر الجامعة ، وأذكر أنني تابعت مسير جلالته لحين وصوله ومن ثم خروجه من نادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وفي محطة أخرى من محطات حياتي طرحت جامعة السلطان قابوس جائزة تحت مسمى جائزة جامعة السلطان قابوس للإبداع الثقافي، فاشتركت في هذه الجائزة القديرة تحت مجال المقال الصحفي، وكان عنوان مقالي :” طرق مصادرة الفكر، قراءة في الخطاب السامي لجلالة السلطان المعظم، وبحمد الله حصلت على المركز الثالث في هذه الجائزة، فنلت تكريما من جامعة السلطان قابوس الفتية، كما كان يصفها جلالته، كانت تلك محطات من حياتي اعتصرتها الذاكرة في رحلة مع شخصية عظيم من عظماء عمان ، مؤسس سلطنة عمان الحديثة، وباني نهضتها المعاصرة، وفي نهاية المطاف لم يبقى لي سوى الصمت الرهيب ولساني يلهج ويتمتم بإنا لله وإنا إليه راجعون، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، كانت تلك كلمات متواضعة خطها اليراع وآن لها أن تتوقف، مولاي لن تنساك ولاية بهلا بقلعتها الشامخة وجامعها التاريخي القديم وسوقها التراثي الجميل، ولن ينساك سيح الشامخات” لأنه سيظل يذكرك ويحفظ الجميل لك، حفظ الله عمان أبية وجليلة ومهابة تنعم بالأمن والأمان والاستقرار والرخاء أعواما مديدة وأزمنة عديدة “.
السبت ١٥ من شهر جمادى الأولى سنة ١٤٤١ ه / الموافق ١١ من شهر يناير عام ٢٠٢٠ م، حارة اللحمة التاريخية، ولاية بهلا، سلطنة عمان.
