بدر بن سالم العبري يكتب: الرحلة الظفارية (الحلقة الرابعة).. الذهاب إلى جبل سمحان

بدر بن سالم العبري

بعد تعب اليوم الأول كما رأينا سابقا، أخذنا النّوم إلا أنّ نوم التّعب قصير لذا استيقظنا على أذان الفجر، وكان الأصل أن نرتاح صباحا إلا أننا كنّا في نشاطنا، وما أحببنا نزعج الأخوة، فكان الصّباح فرصة للأعمال الكتابيّة والنّزهة الشّخصيّة، وبعد أذان الظّهر والصّلاة حضر الأستاذ الحبيب سالم المشهور، لهذا رأيت الفرصة مناسبة حتى يتجمع الأخوة لتسجيل حلقة رمضانيّة، حيث أنّ رمضان على الأبواب، وفي رمضان 1439هـ سجلت حلقات لرمضان من الكويت، وذكرتُ ذلك في الرّحلة الكويتيّة، ومنشور في كتاب إضاءة قلم (الحلقة الأولى) طبع الجمعية العمانيّة للكتّاب والأدباء ودار مسعى 2019م، لهذا رأيتُ أن أسجل لرمضان 1440هـ من صلالة.

كان عنوان الحلقة القرآن في رمضان، وسجلت يوم الأحد 31 مارس 2019م في تمام السّاعة الواحدة والنّصف ظهرا من نزل النّيل، وبثت يوم السّبت 6 رمضان 1440هـ يوافقه 11 مايو 2019م، وفيها ابتدأ الحبيب سالم أنّه يوجد في ظفار في رمضان عادة نظام المشاهرة، وهو ينحو المنحى الابتهاجي، حيث يكثر في بداية الشّهر الزّيارات الاجتماعيّة ومباركة البعض بالصّيام، ويكثر في رمضان عموما التّرابط والتّواصل، إلا أنّه تأثر رمضان في ظفار بالواقع المعاصر، حيث أصبح أقرب إلى الطّقس الرّوحيّ، كصلاة التّراويح على عجل، والبعد الاجتماعيّ غاب عن العديد من المتدينين الآن، فالجانب الاجتماعيّ كان له نصيب الأسد عند التّدين الفطريّ، وكانت صلاة التّراويح تؤدى بشكل بسيط دون تكلف وتغني وبكاء، فكانت تقتصر على قصار السّور، من الضّحى وحتى النّاس، يتخللها مجموعة من الأذكار والتّواشيح، فكانت أقرب إلى الابتهاج منه الخوف والضّجيج، أمّا المنحى التّعبديّ اليوم انحصر في الصّلاة والصّيام والمسجد، لكن الحقيقة الإسلام والتّعبد يشمل جميع مناحي الحياة، فنحن نحارب العلمانيّة بيد أننا نمارس العلمانيّة عندما نبعد شؤون الحياة عن الدّين.

ثمّ تحدّث أنّ التّعبد اليوم أصبح قريبا من طلب الأجر الماديّ، وكأنّ الله يتعامل معنا بلغة تجاريّة كما نفهمها، وما ذكر في القرآن في ذلك من باب الاستعارة، حيث التّعامل الرّوحي والوجداني والتّأملي والتّدبريّ ضعف بشكل كبير، أيضا قراءة القرآن أصبح مرتبطا بعدد الختمات أكثر منه التّدبر والتّفكر، ومثل هذا ما جاء عن أحد السّلف: “أنزل القرآن لتعملوا به فجعلتم قراءته عملا”، وعادة قراءة القرآن في رمضان أمر حسن، ولكن الإشكاليّة في الابتعاد عن تأمله وتدبره، وتصور أنّ الحسنات في قراءته فقط وبعدد قراءة الحروف.

والختمات في ظفار تبدأ من الثّاني عشر من رمضان، وهي أشبه بالأفراح، واختير من الثّاني عشر لارتباطها بمساجد معينة قديما، حيث تقام اليوم في هذا المسجد، وغدا في مسجد آخر، كان أهل هذه المنطقة يخرجون إلى منطقة أخرى ليشاركوا إخوانهم، بحيث يقرأ كما أسلفنا في الصّلاة أو بعدها من الضّحى فأسفل، وبعد الوتر تكون الختمة يتخللها التّواشيح بنغمات رمضانيّة معينة، ويقرأون دعاء الفصول المنسوب لزين العابدين [ت 95هـ]، وفيها إطعام الطّعام مع التّزاور.

وبين أنّ صلاة التّهجد جماعة غير منتشرة في ظفار إلا في مساجد قليلة جدّا، وفي العشر الأواخر.

ويرى أنّه لابدّ من التّوازن بين التّعبد الجماعيّ والتّعبد الفرديّ، بحيث يجعل الإنسان لنفسه نصيبا للخلوة مع الله والتّأمل والتّفكر، ونحن نعيش التّدين الاجتماعيّ بشكل كبير، ممّا يؤثر على القوانين، فمثلا القوانين تحرّم المجاهرة بالإفطار مع أنّ الشّريعة ذاتها أباحت ذلك في حالات معينة، فيترك أمر الإفطار للذّائقة والتّربية الذّاتية، ولا داعي إلى الملاحقة والمتابعة القانونيّة.

وأخيرا كان الحديث حول محاضرات رمضان ينبغي أن تنفتح مع الشّباب وتجيب على تساؤلاتهم ولا تقتصر فقط عند الوعظ الدّينيّ، مع تعميق دائرة الحوار المسجديّ.

بعدها انطلقنا إلى جبل سمحان بصحبة الحبيب سالم المشهور، وأخيه فيصل، وقريبهم أحمد باعمر، ثمّ لحق بنا الأستاذ محسن آل حفيظ لأنّه من أهل مرباط، وجبل سمان قريب منهم، فكان سفير الرّحلة وموجه لنا.

بداية مررنا في الأسفل بوادي دربات، وحوله بحيرة ماء كبيرة، وتحوي شلالات مائيّة في الخريف، وهناك يباع بعض الفواكه من قبل المتجولين البنجاليّة، ووجدنا أسرة إيطاليّة تعمل في دبيّ، وجاءت إلى صلالة للسّياحة، وتبادلنا بعض الحديث، وشاركونا في أكل الفاكهة، وأخبرونا أنّهم يترددون دائما على عمان وصلالة، ويعشقون طيبة الشّعب العمانيّ وطبيعة البلد.

وهنا صعدنا إلى جبل سمحان، وهو كما جاء في الموسوعة العالميّة ويكبيديا: “أحد الجبال الشّاهقة في شبه الجزيرة العربيّة … وهو الجزء الشّرقيّ من سلسلة جبال ظفار، تتقاسمه إداريّا ولاية سدح وولاية مرباط … ويعتبر من أهم السّلاسل الجبليّة في ظفار”.

وفي هذا الجبل ترى طبيعة الإنسان الجباليّ، والّذين يسمون بالجباليّة، وهم أناس أشداء، لم يأثروا بليونة المدن ومدنيتها، مع الانفتاح المعاصر، ولهم لغتهم الجبالية أو اللّغة الشّحريّة، وهي من اللّهجات السّاميّة القديمة، كما تجد صفاء الجو، وجمال الطّبيعة، وقد شقت الدّولة مشكورة الطّرق في هذا الأماكن الصّلبة.

وأهل الجبل يقدّسون ويحترمون الحيوانات خصوصا الإبل والبقر، فالبقر لها قبائل وسلالات وأسماء معروفة مثل اقزحيت، وكذلك الإبل ومن أشهرها امجناع واعنبير , وأطيب يحطون فيها الذّهب، وللحيوانات خصوصا البقر لها حريتها في الرّعي والتّنقل، وأهل الجبل عموما رعويون وليسوا زراعيين، والكهرباء عنهدهم بمقابل أمّا الماء فبسعر رمزيّ جدّا.

ثمّ وصلنا إلى جبل حيور السّياحيّ، ومكتوب فيه لوحة أنّه “فتح في عهد جلالة السّلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وقد تمّ افتتاحه تحت رعاية سعادة الشّيخ سالم بن سهيل زيدي تبوك والي مرباط، وذلك يوم الاثنين 23 ربيع الأول 1437هـ، الموافق 4 يناير 2016م، هذا المشروع بتمويل من شركة صلالة للميثانول ضمن برامج المسؤولية الاجتماعيّة التّابعة لها”، وقيل لنا أنّه تظهر النّمور وهو حيوان مفترس في هذا المكان في بعض الأوقات من العام.

ثمّ بعد ذلك ذهبنا لصلاتي الظّهر والعصر في أحد المساجد بالجبل، وصلّى بنا الأستاذ كمال اللّواتيّ، وصلينا خلفه، ثمّ رجعنا إلى صلالة لنتغدى في إحدى المطاعم الشّاميّة أو التّركيّة القريبة من النّزل، لنستعدّ للذّهاب إلى منزل الحبيب سالم المشهور لتسجيل حلقة رمضانيّة مع الحبيب علوي الكاف، وحضور صالون الحبيب سالم الثّقافيّ كما سنرى في الحلقة القادمة.