كيف تسيطر على تلاعب المستهدَف في العملية التفاوضية؟!

الكاتــب محمــد العامــري*

 

بينما غرقت إحدى الفتيات في تأمل غروب الشمس وهي جالسةٌ القرفصاء تحت شجرة تين، إذا بحبة تين تسقط على كتفها.. فلما تناولتها وجدت شيئا عجيبا !

حبة التين هذه تذكرني بذلك الرياضي الذي كان يقوم ببعض التمارين على الشاطئ استعدادا للمشاركة في الأولمبياد، وإذا بالبحر يقذف سمكة ميتة.. فلما دنا منها وجد شيئا عجيبا !

السمكة الميتة هذه تذكرني بذلك الأب الذي دخل أحد المراكز التجارية مستعجلا لشراء عربة لطفله، وبينما هو في طريقه للقسم المخصص لذلك مرَّ بقسم مستحضرات العناية بالجسم، وتفاجأ بوجود عرض سخيٍّ على كريمات الشعر.. فلما همَّ بأخذ أحدها وجد شيئا عجيبا !

الآن.. تخيّل معي أنك دخلت مقهى لتناول قهوتك المفضلة، وبما أنك قد تناولت غداءك للتوّ فقد أوصيت أحد النادلين بأن يجهزها لك بعد ساعة، ودفعت له بدون أخذ الإيصال، ولكن بعد مرور الساعة اكتشفت أن ذلك النادل تحديدا قد غادر ونسيك، فكيف ستتصرف وقتها؟!!

***

في هذا المقال اللطيف ستجدون إجابة فاحصة عن السؤال الآتي:

كيف تسيطر على تلاعب المستهدَف في العملية التفاوضية؟!

أعتقد أن على (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف أن يكون بصيرا بكيفية التعامل مع المستهدَف المعتاد على حيلة تغيير الموضوع، وكذلك كيفية استخدام هذه الحيلة بطريقة خفيّة !

وينقسم الجواب إلى محورين:

١)كيف تتصرف مع المستهدَف حين يغير الموضوع؟

٢)كيف تغير الموضوع بطريقة خفيّة؟

***

١)كيف تتصرف مع المستهدَف حين يغير الموضوع؟

إن هناك الكثير من الحيل الشائعة التي يلجأ إليها المستهدَفون، وعلى (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف أن يكون متأهِّبا لذلك، بل أكثر من ذلك، بأن يقلب هذه الحيلة لصالحه ولكن بذكاء لا بعفوية كلاسيكية كغيره، فـ (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف لا ينخفض لتيار المتاح السائد بل هو في محاولة مستمرة للَمْس المتفرّد الرائد! ومن بين أبرز تلك الحيل: حيلة تغيير الموضوع، إن الشيء العجيب الذي وجده كلٌّ من: الفتاة والشاب والأب هو أن أي جزئية عابرة قد (تؤخرك/تضيّع عليك) هدفك الحالي إذا لم تكن مركزا عليه بدرجةٍ عاليةٍ، وهو الشيء العجيب ذاته الذي وجدتَه حين اشتغلتَ بكيفية التصرف في المقهى صارفًا انتباهك عن الأشياء الثلاثة العجيبة التي سبقت ذلك !! واستيعاب ذلك مهم جدا جدا لضبط عمليتك (التفاوضية/الإقناعية).

تنويهٌ خاطفٌ:

إن ثمة فرقًا جليًا بين دقة الملاحظة وبين الاشتغال بالتوافه، فالأول مهارة، ويعني ملاحظة الجزئيات العابرة بدقة، والاحتفاظ بها كمعلومات تُوظَّف في وقتها المناسب، أما الثاني فسلبية، حيث لا يُكتفى فيه بملاحظة تلك الجزئيات العابرة، بل الإذعان الكامل لموجة سيطرتها بصورةٍ تُشغله عن الأمر المهم الحالي.

***

دعني أرصف أرضية جيدة لننطلق منها سويًا للغوص في المحور الأول: لماذا يلجأ المستهدَف عادة لتغيير الموضوع؟

من بين أشهر مبررات لجوء المستهدَف لهذه الحيلة هو عندما يفتقر لإيجاد ما يردُّ به على حجتك القوية، أو بُغْية تمرير بعض الكرات، أو أنك عزفت على وتر حساس يمسُّ حياته الشخصية، فيلوذُ بالفرار إلى منطقة آمنة، وقد رأيتَ تفصيلا في ذلك في مقالٍ سابقٍ لي على هذه المجلة الإلكترونية الغرّاء شؤون عُمانية، تحت عنوان: مَن هو العدو (رقم واحد) للمُقْنِع؟!

ومما يُؤسف له فإن شريحة من (المفاوِضين/المُقْنِعين) تنطلي عليهم هذه الحيلة بسهولة فتُخْطَف عقولُهم عن المقصد الأصلي، ويعبث بهم المستهدَف كما يُعْبث بالدُّمى ! فتؤول العملية إلى سيطرته على اللعبة كاملة !

فإذا كان ذلك كذلك فإن كلَّ ما يهمنا في هذه اللحظة هو: كيف تقوم بالتصدي لهذه الحيلة إبَّـان صدورها من قِبَل المستهدَف؟

لا تتوقع مني أن أمنعك من اتخاذ الأسلوب المباشر، فإنه الملجأ الوحيد عند التعاطي مع شريحة من المستهدَفين أو في حالة التكرار أو الإصرار في مرحلةٍ ما، وأنت من الحكمة بمكان بحيث تدرك أن الإصرار على الموضوع الأصلي والإهمال المتعمَّد للموضوع الانتقالي الذي طرحه المستهدَف غير جيد ألبتة، ولا يخلق تلك المودة التي تستلزمها عمليتك، كما أن استخدام الأسلوب المباشر إنما يكون متى ما دعتك المعطيات لذلك بدون تعدٍ وفي حالات قليلة، مع التأكيد على أن الأسلوب المباشر لا يعني أن يُقدّم في قالب لغة عدائية.

إذا كان الطرح السابق محلّ اتفاق بيننا عزيزي (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف فدعني أشاركك معادلة غير مباشرة واحدة للتصدي للحيلة المذكورة:

على افتراض أن:

الموضوع الأصلي هو (أ).

موضوعه الانتقالي هو (ب).

فإن المعادلة ستكون بهذه الصورة:

بالفعل فإن (ب) كيت وكيت، ووجود (جزئية تفصيلية في ب) يبين أن (جزئية تفصيلية في أ) ولذلك فإن (أ) كذا وكذا، و(سؤال) ؟.

مثال:

على افتراض أن:

الموضوع الأصلي (أ) هو: تنوُّع محصول المزرعة.

موضوعه الانتقالي (ب) هو: مرض يصيب أشجار الليمون.

بالفعل فإن (المرض الذي يصيب أشجار الليمون) أصبح مستشريا بدرجة لا تُصدق، تخيل أن ابن خالي مات لديه نصف أشجار الليمون بمزرعته، ووجود (الليمون) مهم جدا في مزارعنا كما تعلم، ويعطي ذلك (شكلا جماليا وقيمة زراعية للتنوع) ولذلك فإن (تنوع محصول المزرعة) عندي استثنائي بين مزارع المنطقة، إلى أي درجة تقيّم تنوع محصول مزرعتي؟

لاحظ كيف انتقلنا بسلاسة من (ب) إلى (أ) عن طريق جزئية تفصيلية في كل منهما، بينهما صلة معقولة، وهذا من شأنه ألا يُشعِر المستهدَف بمحاولتك الرجوع للموضوع الأصلي (أ) وإن شعر فإنه سيكون سعيدا لمدى احترامك له وعدم إحراجه؛ بسبب سلاسة أسلوبك وتفاعليته مع موضوعه الانتقالي، البعيد عن الرَّجع المباشر الجافّ، والمتميز بجرعة متماسكة من التعرض لموضوعه الانتقالي (ب) كما في المثال الذي شاركتك إياه قبل قليل، والسؤال الذي تختم به المعادلة هو حجر الزاوية الذي يجبر المستهدَف على الحديث مرة أخرى عن الموضوع الأصلي !!

ولا ريب أن ذلك يستدعي منك سرعة بديهة وربطا موضوعيا دقيقا.. ورباطة جأش.

فلتسمح لي أن أختم المحور الأول بسؤال في غاية الإثارة !!

متى لا تحاول الرجوع للموضوع الأصلي؟؟؟

عدم الرجوع إلى الموضوع الأصلي ينقسم لقسمين: مؤقت، ونهائي، كما يلي:

أ- مؤقتًا، إن كانت المعطيات تشير إلى أهمية الاستفاضة في الموضوع الانتقالي لكسب المستهدَف المجبول طبْعًا على تغيير المواضيع مثلا، وبعد أن تشعر أنه اكتفى من موضوعه الانتقالي – ولو طال جدا – ترجع للموضوع الأصلي بصيغة مباشرة.

ب- نهائيًا، إن اتضح لديك – بعد عدة محاولات – أن المستهدَف غير عابئ بالعملية (التفاوضية/الإقناعية) وغير جاد للحصول على اتفاق ومستهتر بتعزيز فرص الحلول لمعالجة الهدف (التفاوضي/الإقناعي)، أو يفعل ذلك تهربا منك مهما كانت الأسباب، فتكلم معه في المواضيع اللي يطرحها بحسب وقتك المتاح، واعمل (إلغاء) لعمليتك، فـ (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف يدرك أن (لا صفقة) خير من (صفقة سيئة) !!

٢)كيف تغيّر الموضوع بطريقة خفيّة؟

مرة أخرى أؤكد على أن الأسلوب المباشر هو أسلوب له فاعليته المؤثرة متى وظَّفناه وفق المعطيات المحيطة المناسبة، ومن الأمثلة الجليّة في هذا الحقل ما فعله سيدنا إبراهيم – سلامٌ على إبراهيم – ببراعة حين انتقل أثناء عمليته الإقناعية مع الذي حاجّه في الله – عز وجل – من المتابعة في دليل الإحياء والإماتة، إلى شروق الشمس وغروبها؛ لِما رآه من تعنّت، وفي أسلوب أبينا إبراهيم تقنية إقناعية فريدة أخرى ليس هنا محلّها.

كما أن هناك أساليب مباشرة متنوعة أخرى كما في المثال الآتي:

أنت كبائع في وكالة سيارات رائدة بالسلطنة، تفاوضت مع زبون يريد سيارة ذات لونٍ صادف أنه انتهى من مخزنك بغلا، فقلت له:

بالإضافة للنقطة المهمة التي تفضلت بذكرها، ماهي المواصفات الأخرى التي تحب توفُّرها في سيارة أحلامك بحسب ميزانيتك؛ حتى أساعدك؟

ولي هنا عدة إشادات على أسلوبك المحترف السابق:

-لم تلفظ بالسلبية غير المتوفرة لديك (اللون) وهذا له تأثيره العميق في المستهدَف، على مستوى عقله الباطن.

-وصفتها بالنقطة المهمّة، وهذا فيه لباقة في احترام وجهة نظر الآخر.

-لم ترتكب حماقة في الاستخفاف بهذا المطلب كأن تقول له: هذا اللون غير مرغوب فيه، دعك منه !! كما أنك لم تهمل مطلبه بدون التعريج عليه، بل كان انتقالا في قمة الانسيابية والتقدير.

ومع ذلك فإن السؤال السابق يظلّ قائمًا: ماذا عن الطرق الخفيّة؟

بدون مقدمات مكررة أقول: الطريقة هي بعكس المعادلة السابقة تماما !! كيف ذلك؟

على افتراض أن:

الموضوع الأصلي هو (أ).

موضوعك الانتقالي هو (ب).

فإن المعادلة ستكون بهذه الصورة:

بالفعل فإن (أ) كيت وكيت، ووجود (جزئية تفصيلية في أ) يبين أن (جزئية تفصيلية في ب) ولذلك فإن (ب) كذا وكذا، و(سؤال) ؟.

مثال:

على افتراض أن:

الموضوع الأصلي (أ) هو: السفر إلى زيلامسي بالنمسا.

موضوعك الانتقالي (ب) هو: السفر إلى نوراليا بسريلانكا.

بالفعل فإن (زيلامسي) تمتاز بطبيعة خلّابة قلّما تجد مثيلا لها، ووجود ( الهدوء) الساحر بها يساعد على الاسترخاء لتعود وكأنك مولود جديد، وأنت تعلم أن الهدوء (في قمم الجبال) يكون أكثر روعة مع ذلك النسيم العليل المنعش بأشجار الشاي، ولذلك فإن (نوراليا) خيار ذكي، برأيك – اقتصاديًا – كم الفارق في التكاليف بينهما؟!

عزيزي (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف: FOCUSED)  STAY) فإن لم تكن ماهرا في حيلة تغيير المواضيع من جهة، والتصدي لها من جهة أخرى فستفقد أكثر مما ستحصل عليه.

 

 

كم تُسعدني مشاركتكم إياي تجاربكم الإقناعية على بريدي الإلكتروني:

m.alaamri610@gmail.com

 

 

 

*كاتب ومدرب وباحث متخصص في التفاوض والإقناع / مؤسِّس فرْضية الإقناع السري (SPx8) مسجلة لدى دائرة الملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة / ماجستير لغة عربية / ممارس معتمد من المركز الأمريكي للتنويم بالإيحاء.