حركة الداب الشيطانية

بقلم : فاطمة بنت ناصر*

 

بعد أن قامت خريجتان بحركة ( الداب( DAP-   بعد إستلامهما لشهادة التخرج ضجت المواقع ولم تنم تلك الليلة واستمر الحديث إلى صباح اليوم التالي وسؤال الموظفين لبعضهم : ” شفتوا الحركة مال أمس ؟ ” . الغالبية العظمى تستنكر هذه الحركة – كالعادة – تماماً كما كانوا يستنكرون حركة ” الحبتين” منذ سنين. ولا يمكن لهذا المشهد أن يمر مرور الكرام دون إضافة القليل من الشياطين والمؤامرات الخارجية التي تستهدف خراب الأجيال العربية.

وصلتني كغيري الرسائل حول هذه الحركة وقد تم الإشارة إليها بكلمة ( داب )(1)  فظننت للوهلة الأولى بأنها تشبيه يقصدون فيه إنها أشبه بحركة الأفاعي ، إلا أن أحدهم تكرم بمحاولة شرحها وتفسير حروفها الإنجليزية كالآتي : DAP إختصار لعبارة Demons Are Bright ! التي تعني كما يقول شياطين مشرقة ! . ولا أعلم لماذا لا يكون معنى العبارة ( الشياطين ذكية ) بإعتبار أن كلمة  Bright تعني الذكاء أيضاً!

لكثرة الرسائل المتداولة حول هذه الحركة  قررت البحث أكثر عن أصلها وسبب تسميتها ووجدت الآتي :

معنى كلمة داب DAP  في معجم أكسفورد

يقول المعجم أنها كلمة من العامية الأمريكية وتعني : هي إحدى حركات مصافحة مطولة تنطوي على حركات أخرى كضرب الكفين وهز قبضة اليدين و فرقعة الأصابع. (2)

داب رابح.jpg

حرب فيتنام والداب (3)

ترتبط هذه الحركة تاريخياً بثقافة السود في أمريكا خاصة أثناء حرب فيتنام،  حيث تفاقم إحساس الجنود الأمريكيين من السود بالتفرقة والعنصرية من قبل نظرائهم البيض، وبسبب هذه التفرقة تناقص عدد المتطوعين منهم في الجيش الأمريكي من 66% إلى 13% بحلول عام 1970م ، كما أن العديد من الجنود السود إنسحبوا من الجيش فور انقضاء مدتهم. أما من بقى من السود في خدمة الجيش الأمريكي فقد قاوم العنصرية بطريقته الخاصة وذلك عبر زيادة مظاهر  الإنتماء العرقي الذي يجمعهم و تعزيز مظاهر اللحمة الإجتماعية بينهم، وبهذا تكون فصيل بداخل الجيش الأمريكي يحاول إبراز ثقافته وتميزه عن البقية. وقد حرص الجنود أن يتميزوا حتى في مظاهر التحية لبعضهم، حيث ظهرت حركات الداب لأول مرة. أما عن أصل هذه الكلمة فيعود إلى كلمة ( DEP) الفيتنامية والتي تعني الشيء الجميل. هذه التحية التي تجمع حركات مختلفة كضرب الكفين وفرقعة الأصابع والتحية بالكتف دون ملامسة وفرت لهؤلاء الجنود السود بديلاً للتحية العسكرية المعتادة في الجيش الأمريكي، وجعلتهم يشعرون بأنهم يقاومون العنصرية الممارسة ضدهم عبر الفخر بتلاحمهم الإجتماعي الذي عبروا عنه بطرق مختلفة كانت من ضمنها تحية ( الداب).

مصطلح  الشياطين المشرقة

أتضح بعد البحث أن مصطلح الشياطين المشرقة هو من إبتكارات العقول المسلمة. ونجد عدة مواقع وصفحات في الفيس بوك تتكلم عن ( الداب ) وعلاقته بالماسونية والحركات الشيطانية. وقد لفتني موقع يتحدث عن هذا الأمر بالتفصيل وكيف أخترعه الإسلاميين في محاولة لشيطنه هذه الحركة والخزعبلات التي ألحقوها بها .وشعرت بالخزي حيث أن كاتب المقال في هذا الموقع الأجنبي ختم مقاله بتذكير المسلمين أن ” الكذب  كما تقولون حرام  في الإسلام”.

إستخدامات تحية الداب بين العرب والغرب

العرب :

بالبحث تجد أن استخدام الفرد العربي لهذه التحية وغيرها لا يتعدى موضوع ( الهبة الجديدة أو الموضة الواردة حديثاً) فنراها تشيع بين المراهقين وحتى بين بعض البالغين كالمغني السعودي رابح صقر الذي قام بهذه الحركة في إحدى حفلاته الغنائية، أو في حفلات التخرج للتعبير عن الفرحة كالذي حصل لدينا.

الغرب :

تمارس هذه الحركة أيضاً بين صفوف المراهقين والبالغين في الغرب من بيض وسود دون حواجز وتفرقه، رغم أن أصل الحركة كان لمحاربة العنصرية، ونجدها اليوم تنتصر في القضاء على العنصرية وذلك بممارستها من قبل جميع الأعراق ومن مختلف الأديان والأعمار. لا يأبه الغرب – كما هو لدينا – بتخصيص وقت وجهد لمحاربة هذه الحركة؛ فهي كأي شيء آخر غير ذي أهمية بقاؤه أو وجوده لا يعني شيئاً. ولكن من المثير أن نجد أن الإعلام الغربي يسلط الضوء على بعض الإستخدامات الجديدة لهذه الحركة الشائعة كإستخدام أحد المعلمين لهذه الحركة ودعوة الطلاب لممارستها عند العطس لحماية زملائهم من الجراثيم المتطايرة.

وأختم مقالي بالإستفهام والإستغراب من ظاهرة الكذب ؟ ولماذا الكذبة تشيع كحقيقة بين صفوف الناس حتى من يملكون شهادات علمية مرموقة يفترض بهم تحري صحة الخبر؟ والجواب قد يعود لعدة أسباب فلعلنا نجد أن الكذبة التي تتداول تعكس وجهة نظرنا الشخصية وتعبر عن إحساسنا فنقوم بنشرها كعلامة إثبات لوجهة نظر وإنتصار لتحيز شخصي، أو لعلنا ببساطه عاجزين وكسالى عن البحث وننتظر التفسيرات الجاهزة من قبل الغير( كحالنا حين نطلب فتوى معينه في برنامج مع إن الفتوى موجودة في الكتب وقد توفرها كبسة زر في الهاتف النقال).

في هذا  لا أكتب  لأدافع أو لأحارب حركة عابرة؛ أكتب من أجل المعرفة، ومن باب العلم بالشيء وأصوله وتاريخه. أما محاربة سلوك دخيل علينا بحياكه الأكاذيب فلا يعود علينا بشيء سوى بتعميق حفرة الجهل التي نقبع فيها منذ زمن. وهذه الحركة الدخيلة كأي دخيل سيلفظها المجتمع كما لفظ غيرها ولو بعد حين. فهذه التوافه لا تليق بأن تكون أحاديثاً لمجالسنا.

 

المصادر:

 

1- تنعت الأفعى وما على شاكلتها من الزواحف بالدابة أو الداب في العمانية الدارجة وهي أيضاً تشير إلى البهائم بشكل عام.

2-https://en.oxforddictionaries.com/definition/dap

3- هذا الجزء تم صياغته بالإعتماد على مرجعين هما :

كتاب ( The African American Experience in Vietnam: Brothers in Arms)

و كتاب ( Black Sailor, White Navy: Racial Unrest in the Fleet During the Vietnam War Era)

Dabbing Turns Teenagers Into Devil Worshippers?

 

*مترجمة مهتمة بإثراء المحتوى العربي على الأنترنت،تخصص ترجمة وإعلام جديد ( الحوكمة والمجتمع)