أخطاء تربوية

الكاتب: حسن بن عبد الله العجمي

 

من الأخطاء التي يرتكبها بعض الآباء والأمّهات والتي لها علاقة بمسألة تربية الأولاد عدم العدل بين أولادهم، فهناك من يفضّل أحد أبنائه على إخوانه في الهبة والعطيّة فيعطيه ويهبه ما لا يعطي ويهب غيره من إخوته، ومن أمثلة ذلك ما يفعله بعض الآباء في حياته من تقسيم أمواله على أولاده فيعطي بعضهم ويحرم آخرين، أو يفضل أحدهم على الآخر في مقدار العطية، فيعطيه أكثر من أخيه أو أخته، أو يهب الذكور دون الإناث، أو بالمقارنة بينهم في صفاتهم الجسمية أو النفسية كأن يقول فلان أجمل من فلان أو أذكى منه أو أحسن خلقًا منه (1)، أو يبدي حبّه أو احترامه لأحدهم دون الآخرين، أو يظهر اعتناءه واهتمامه ببعضهم دون البعض الآخر، أو يميز بين الذكر والأنثى فيفضل الولد على البنت أو العكس، وكل ذلك مخالف لتوجيهات الشريعة الإسلامية الغراء، فهي تحثُّ المسلم على العدل بين أولاده، فعن النبي الأكرم «صلى الله عليه وآله وسلّم» أنّه قال: «إنّ لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أنّ لك عليهم من الحق أن يبروك» (2).

وعنه «صلى الله عليه وآله وسلّم»: «أعدلوا بين أولادكم في النحل (3) كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف» (4).

وعنه «صلى الله عليه وآله وسلّم»: «إنّ الله تعالى يحب أن تعدلوا بين أولادكم حتّى في القبل» (5).

فتمييز الوالدين أو أحدهما إلى ولد بعينه دون إخوته، أو جنس الذّكور دون الإناث أو العكس مخالف لتعاليم دين الإسلام وتوجيهاته وخلاف مبادئه، فالإسلام لا يفرّق بين ولد وآخر، ولا بين ذكر وأنثى، فكلاهما في نظره سواسية، لا يرجّح أحدهما على الآخر، فعلى الوالدين أن يتعاملا مع أولادهم من منطلق النظرة الإسلامية لهم، وهي نظرة عدم التمايز.

وإذا كان الوالدان أو أحدهما يميل إلى ولد من أولاده دون الآخر لمزيّة تكون عند هذا الولد، فعليه أن يبقي هذا الميل في داخله، وإن كان مضطرًا لإظهاره فليتجنب أن يكون ذلك أمام الآخرين أو بعلم منهم تجنبًا للسلبيات التي قد يتركها عليهم وعليه علمهم بذلك.

فالعدل بين الأولاد سبيل إلى تقوية أواصر المحبّة والمودّة بينهم، وعدمه سبيل لغرس الخصال السيئة في نفوسهم من الحقد والعداوة والكراهية والبغضاء والحسد وغيرها من الأخلاق الرذيلة والصفات القبيحة، فعادة ما يؤدي ذلك إلى أن يحقد الأخوة على بعضهم البعض، ويعيش بعضهم العداوة والبغضاء والكراهية والحسد للبعض الآخر، مضافًا إلى ذلك ما يخلّفه الإحساس بالظلم والتّمييز من الإصابة ببعض الأمراض النّفسية كالإحباط وغيره.

ثم إنّ عدم العدل بين الأولاد ليس فقط يلحق الضرر بالمفضّل عليه، بل إنّ المفضّل أيضًا يلحقه ضرر ذلك ويولّد عنده شيئًا من الأخلاق السلبية والأمور السيئة.

تقول الدكتورة روزا بارسيو: «إنّ تفضيل ولد على آخر أمر يضمن الاستياء والمنافسة والحسد في العائلة، وهو إلى ذلك يفسد العلاقات بين أفراد العائلة وينتهي الأمر بأن يتأذّى كل من الولد المفضّل والولد الآخر بطريقة مختلفة.

من جهة سنضلل الولد المفضل عندنا إذ سيعتقد أنّه يستحق أشياء أكثر مما يستحقّها الآخرون، فيحاول دائمًا التأكّد من أنّه يحصل على هذا الامتياز.

إذا كبر الشخص وهو يعتقد أنّه بحاجة إلى أن يكون أفضل من الآخرين ليشعر بأنّه شخص ذو اعتبار وأهميّة فيشعر بأنّه مطرود وتعس إن حدث العكس.

الاعتقاد بأنّه «مميز» أمر يعني بالنّسبة له أنّه «أفضل من» وهذا ما يجعله شخصًا غايته التنافس، ستجده لا يعرف كيف يتشاطر مع الآخرين الأشياء، وسيكون دائمًا حسودًا فهو لا يشعر بالأمان إلاّ إذا حصل على أكثر من الآخرين، وحتّى إن كان يشعر بأنّه مدعوم وأنّه الشّخص المفضل فسيجد نفسه غالبًا وحيدًا منعزلًا عن إخوته الذين يمتعضون منه. وحالما يرحل أهله ستصبح علاقته السيئة مع إخوته واضحة للعيان.

من جهة أخرى ينظر الأخوة الأدنى مرتبة إلى الولد المفضّل بحسد، ويتوقون إلى أن يكونوا مكانه وهم لا يفهمون سبب وجود هذه التفرقة بينهم، فيشعرون بالغضب من قدرهم الذي جعلهم غير متنعمين بجمال أو ذكاء أو سحر الولد المفضل، وهنا يكافحون حتّى يحظوا برضا أهلهم، وأحيانًا قد يرغبون في القيام بتضحية حقيقية من أجل تلقّي حبّ أهلهم الذين يظهرونه للولد المفضل» (6).

وتفضيل بعض الأولاد على البعض الآخر يوجد أرضًا خصبة لأن يسلك الأولاد المفضّل عليهم في علاقتهم مع المُفَضِّلِ من الوالدين طريقًا سلبيةً، بل وخطيرةً، فقد يكون ذلك موجبًا لعقوقهم له.

جاء شاب إلى أحد العلماء وقال له إنّ أمي حرمتني من ميراثها، فأعطت أموالها جميعها لإخوتي قبل وفاتها ولم تعطني شيئًا، والآن وبعد أن ماتت لا أستطيع أن أقول اللهم ارحم والداتي، فهل عليَّ إثم؟!!

فانظروا كيف أنّ عدم عدل تلك الأم بين أولادها والتسوية بينهم وتمييز أخوة هذا الشاب عليه أثر فيه تأثيرًا سلبيًا كبيرًا إلى درجة أنّ نفسه تمانعه من أن يرفع يديه للدعاء ويدعو لوالدته ويطلب لها من الله الرحمة والمغفرة.

فمن مسؤوليات الآباء والأمهات أنْ يحققوا العدالة والمساواة بين أولادهم، فلا يمارسوا ضدهم أيَّ ظلم أو تمييز يفضي إلى إيذائهم ويسبب لهم الانزعاج ويخلف لديهم خصالًا سيئةً ويوجب عندهم ردّة فعل سلبية تجاه والديهم، وذلك لكي يحظوا باحترام ومحبة الأبناء، ويكون لقولهم وتوجيههم أثر في نفوس أبنائهم، الأمر الذي له الأثر الكبير في تكلل جهود الآباء والأمهات في تربية أبنائهم وتوجيههم وإرشادهم نحو الحق والخير والصلاح بالنّجاح.

 

المصادر:

(1) وما يلاحظ عند بعض الآباء من تصرف قد لا يكون مقصودًا في الغالب من القول أنّ ابني فلان يشبهني، وفلان لا يشبهني هو مما ينبغي اجتنابه لما له من أثر سلبي من خلق الغيرة والتنافس بين الأولاد.

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني 4/270.

(3) النحل: العطية والهبة ابتداءً من غير عوض ولا استحقاق.

(4) سنن البيهقي الكبرى 6/178.

(5) الجامع الصغير 1/288.

 

(6) هل نربي أولادنا أو نفسدهم، صفحة 313 – 314.