مرتضى بن حسن بن علي يكتب: لكي يقوم المركز الوطني للتشغيل بدوره (3).. إستحالة تطبيق نسب التعمين 

مرتضى بن حسن بن علي.

appleorangeali@gmail.com

بدأ تطبيق برنامج التعمين في عام ١٩٨٨ بعد ان وصل عدد القوى العاملة الوافدة إلى نحو “٨١٦” الف وافد، وذلك بهدف تعزيز مشاركة القوى العاملة الوطنية وتمكينها من سوق العمل، وكبح نمو اعداد العمالة الوافدة. ولكن كان محتما إن يؤدي اقامة المشاريع الحكومية الكبرى والتي ترافقت مع الزيادات في اسعار النفط، إلى زيادة الطلب بصورة مكثفة إلى العمالة الوافدة، وفي تضاد مع السياسات المعلنة الهادفة لكبح نمو اعدادها.

وبدلًا من استعمال الأتمتة والادوات الحديثة لتقليل الاعتماد على العنصر البشري لصالح إيجاد الطلب على عمالة ذات مهارات عالية وإنتاجية كبيرة، لكن بأعداد أقل كثيرا، فقد تم الاعتماد على العمالة الوافدة الكثيفة، ذات المستويات التعليمية والتدريبية والمهارية المنخفضة، ولكنها مستعدة للعمل بأجور منخفضة والتي هي الان أقل من الحدود الدنيا للأجور للمواطنين في القطاع الخاص، والعمل في ظروف صعبة وفي مناطق نائية والعمل ايّام الاجازات.

وحسب بيانات المكتب الوطني للإحصاء والمعلومات فان نحو “٩٠٪” من جملة القوى العاملة الوافدة في القطاع الخاص تتراوح مستوياتها التعليمية من الثانوية العامة فما دون، و “٨٪” فقط هي في المستويات التعليمية “دبلوم وجامعي” فما فوق.

وبعد الزيادات الكبيرة في أعداد القوى العاملة الوافدة، كان محتما أن تتأثر نسب التعمين التي تم وضعها عبر السنين الماضية والمطلوب تحقيقها حاليًا، لقد انتهى دورها ولَم تعد قادرة على التطبيق أو الاستدامة. وبغض النظر عن مؤهلات ومهارات الباحثين عن عمل او اماكن تواجدهم، فلا توجد هناك أعداداً كافية من الباحثين عن عمل من العمانيين لتحقيق نسب التعمين المطلوبة، لقد بدأت أعداد الوافدين بالزيادة المطردة عاما بعد عام، منذ نهايات الثمانينات من القرن الماضي، وقفزت من عدد “٨١٧” ألف في عام ١٩٨٨م، الى عدد “١،٣٤٣” مليون في عام ٢٠١٢م، وواصلت صعودها الى ان وصلت الى عدد “١،٨٣٢” مليون في عام ٢٠١٧م، قبل ان تبدأ بالانخفاض في عام ٢٠١٨م بسبب توقف معظم المشاريع الحكومية. وكان محتما ان تنخفض نسب التعمين بسبب تلك الزيادة الكبيرة عاما بعد عام، دون ان نأخذ تلك التطورات المهمة بعين الاعتبار، على الرغم ان أعداد العمانيين بالأعداد المطلقة في القطاع الخاص كانت تشهد زيادة مستمرة. وفِي الوقت الذي استهدفت “رؤية ٢٠٢٠” أن تصل نسبة التعمين في القطاع الخاص إلى “75٪ ” في عام٢٠٢٠م، وذلك باتباع طرق وسياسات واستراتيجيات تنموية وتعليمية وتدريبية واقتصادية محددة، فأن نسبة التعمين الإجمالية انخفضت من “١٨،٥٪” في عام ٢٠٠٣م إلى نسبة “١٢،٥٪” في عام ٢٠١٨م. نسب التعمين المطلوب تحقيقها كانت تزداد بشكل مطرد، وتصبح أكثر صرامة، مع الزيادات الكبيرة في العمالة الوافدة. وقد ادى كل ذلك إلى زيادة الضغوط على وزارة القوى العاملة، وهي ضغوط -في اعتقادي-لمتكن تنسجم مع المنطق والواقع، لان الوزارة ليس دورها خلق الوظائف، بقدر ما ان دورها يتمثل في تنظيم سوق العمل وتنظيمه، وهو دور من الصعب تحقيقه بغياب التنسيق والتعاون مع الجهات الاخرى. وكنتيجة طبيعية لذلك أصبح كل من الوزارة والقطاع الخاص في مهمة مستحيلة لتطبيق نسب التعمين المطلوبة.

على سبيل المثال إذا أخذنا القطاعات السبعة التالية فقط ونقارن بين نسب التعمين المحققة ونسب التعمين المطلوبة في عام ٢٠١٨م لرأينا استحالة تحقيق المهمة.

وفي الوقت الذي بلغ اجمالي أعداد الباحثين عن عمل في نهاية عام ٢٠١٨م عدد “٤٥,٧١١” شخص في جميع أنحاء عمان، كان المطلوب تعيين “٥٤٣،٠٠٠” شخص للوصول الى نسب التعمين المقررة. وبمعنى اخر، كان المطلوب تعيين نحو عشرة أضعاف اجمالي عدد الباحثين عن عمل في سبعة قطاعات فقط.  والقطاعات السبعة هي:

١-قطاع النقل والمواصلات.

٢-قطاع الصناعة.

٣-قطاع الزراعة والثروة السمكية.

٤-قطاع الإنشاءات.

٥-قطاع السفر والسياحة.

٦-قطاع البيع والتوزيع.

٧-قطاع السيارات.

وفِي الحقيقية فإذا نظرنا الى اي قطاع من القطاعات التالية بمفرده، ووجهنا كل جهودنا لتطبيق نسب التعمين، بغض النظر عن مؤهلات الباحث عن عمل وجنسه ومنطقته، سوف نرى استحالة تطبيق النسب المقررة المعلنة، اضافة الى ان العديد من هذه المهن لا يريدها المواطن ان يعمل فيها:

أ-قطاع الصناعة: من أجل تطبيق نسبة التعمين المقررة، فان القطاع كان بحاجة إلى عدد “٦٤,١٠٧ ” عاملا عمانيا، علما أن اجمالي الباحثين عن عمل بلغ في نهاية عام ٢٠١٨م عدد “٤٥,٧١١”.

ب-قطاع الإنشاءات: من أجل تطبيق نسب التعمين المقررة، فان القطاع كان بحاجة إلى تعيين عدد “١٦٧,٠٠٠” عاملا اضافيا.

ج-قطاع البيع والتجزئة: من أجل تطبيق نسب التعمين المطلوبة والبالغة نسبة “٦٥٪” في نهاية عام ٢٠١٨، فان هذا القطاع وحده كان يحتاج الىً نحو “٩٩” ألف عامل عماني.

من جهة اخرى، وكما تم ذكره، فان تحليل الارقام يُبين ان من مجموع الباحثين عن عمل في نهاية شهر تشرين الثاني “نوفمبر” والبالغ “٤٥٧١١”، فان غالبية الباحثين عن عمل هم من سكان المناطق والذين بلغت نسبتهم “٨٧,٥٪” من مجموع الباحثين عن عمل في نهاية عام ٢٠١٨م، بينما بلغت النسبة المقارنة في محافظة مسقط نسبة “١٢،٥٪” فقط، وبلغت نسبة الباحثين عن عمل في محافظتي الباطنة الجنوبية والشمالية فقط نحو”١٤،٦٢٧”   اَي بنسبة بلغت نحو “٣٢٪؜” من مجموع الباحثين عن عمل في تلك السنة.

بطبيعة الحال ان مشكلة الباحثين عن عمل الان او مستقبلا، لا يكون علاجها بخلق وظائف حكومية غير منتجة، تضاف الى العدد الهائل من الموظفين في القطاع الحكومي، وتزيد العجز في المالية العامة للدولة. لقد ارتفعت تكلفة الرواتب والاجور في القطاع الحكومي منذ عام ٢٠١٠م بنحو “١٣٥٪”، حيث قفزت من “٢،٦” مليار ريال عماني في عام ٢٠١٠م الى “٦،١” مليار ريال عماني في نهاية ٢٠١٨م، وهو رقم كبير ويمثل الجزء الاكبر من العجز السنوي في ميزانية الدولة.

وحل مشكلة الباحثين عن عمل يكمن في تنويع مصادر الدخل القومي وزيادة معدلات نموه وزيادة إنتاجيته وتطوير مستويات التعليم والتدريب بصورة جذرية وخلق بيئة صديقة لتدفق الاستثمارات وازالة العوائق أمامها. قضية الباحثين عن عمل هي جوهر

التنمية النوعية الشاملة، وليس هناك علاجا جزئيا لعلاج مشكلة الباحثين عن عمل بعيدا عن معالجة قضية التنمية.

وتنمية الموارد البشرية ذات أبعاد أربعة: –

١-هي عملية تعليمية يساهم فيها التعليم العام الجيد والمتطور بوضع حجر الأساس من حيث صقل شخصية الفرد وتزويده بالأسس العلمية المطلوبة

٢-هي ثانيا عملية تدريبية فنية يتم من خلالها تأطير نشاط الأفراد ضمن قدرات عملية متخصصة، يساهمون في الانتاج مساهمة مباشرة.

٣-كما انها ثالثا عملية تنظيمية ادارية يتم فيها تأهيل الأفراد لإدارة وتنفيذ نشاط التنموي بجوانبه المختلفة.

٤-وهي رابعا مسألة سلوكية تهدف الى التأثير في السلوك الاجتماعي والعادات والتقاليد والثقافة للأفراد وتنمية القيم الجديدة المطلوبة التي تجعل نشاطهم في انتاج السلع والخدمات متلائما مع ما هو المطلوب.

والوصول الى هذه الأبعاد الأربعة وتحقيق الاهداف المرجوة من خلالها لا يتم الا في إطار بيئي -تعليمي-اجتماعي مناسب لكي تأخذ عملية تنمية الموارد البشرية ابعادها بشكل واقعي منسجم مع اهداف التنمية المستدامة.