بدر بن سالم العبري يكتب: الرّحلة الظّفاريّة (الحلقة الثّالثة) الذّهاب إلى طاقة

بدر بن سالم العبري

 

بعدما أخذنا شقة في نزل النّيل بالحيّ التّجاريّ أخذنا راحة لساعة أو أقل، مع صلاتي المغرب والعشاء، ثمّ نزلنا إلى الأسفل، لننطلق إلى ولاية طاقة، وولاية طاقة بوابة ظفار الشّرقيّة مع سدح ومرباط، ولها العديد من المعالم الأثريّة كآثار دربات، وحصن طاقة، وجامع الشّيخ العفيف، وتعتبر ثاني أكبر مدينة بظفار بعد صلالة، وتبعد عن صلالة ثلاثين كيلو مترا، وموقعها القديم إذيرات، ثمّ نقلها الشّيخ العفيف إلى الموقع المعروف الحاليّ.

وعند الانطلاق مررنا على (كشك) يبيع حليب الإبل والبقر الطّبيعيّ، مع إضافة الزّعفران وغيره إن أحببت بعد تسخينه، وهي عادة طيبة منتشرة بصلالة وظفار عموما، ووصلنا إلى شاطئ طاقة، وكان زحام خفيف بسبب مهرجان نظّمته إحدى الأفرقة في طاقة في منتزه قريب من الشّاطئ، وهنا ذهبنا إلى مسجد قديم اسمه مسجد الشّيخ أحمد، وهو مسجد قديم جدّا في الأصل مهجور، ثمّ أعيد ترميمه، وبجنبه شاهد طويل، على ركام من التّراب والحصى، وهذا المكان الّذي عليه الشّاهد يقال هو قبر الشّيخ أحمد، وهو شخص مجهول لا يعرف، ويعتقد بعض العامّة أنّه من الأولياء، لهذا يأتون للتّوسل وأخذ البركة، والأشهر أنّ الشّاهد وضع على ركام المسجد القديم بعد إعادة بنائه، وقيل لمّا انهدم بنو بجنبه مسجدا الّذي هو موجود الآن، وموقع القديم وضعوا عليه الشّاهد، ويرى الأستاذ سعيد المعشنيّ أنّه أقرب إلى الزّاوية والمختلى لكونه كان بعيدا عن المدينة.

ثمّ ذهبنا إلى مسجد الشّيخ العفيف، وهو مسجد تأسس في القرن العاشر الهجريّ، وينسب إلى الشّيخ العفيف بن سعد، ويعود نسبه إلى بني كندة، وفي مقدّمته مقبرة صغيرة، دفن فيها والدة السّلطان قابوس، السّيدة ميزون بنت أحمد بن عليّ المعشنيّ، وأرخ وفاتها يوم الأربعاء 13 صفر1413هـ، يوافقه 12 أغسطس 1992م، وبقربها قبر أخيها الشّيخ أحمد بن عليّ بن تمان المعشنيّ، وأرخ وفاته يوم الأربعاء 3 جمادى الأولى 1411هـ، يوافقه 21 نوفمبر 1991م، وبعده قبر أخيها عيسى بن أحمد بن عليّ المعشنيّ، وأرخ وفاته يوم الجمعة 18 من ذي الحجة 1412هـ، يوافقه 16 يونيو 1992م.

والسّيدة ميزون – كما في موقع الشّبكة العالميّة ويكبيديا – الزّوجة الثّانية للسّلطان سعيد بن تيمور [ت 1972م] بعد ابنة عمّها السّيدة فاطمة المعشنيّ، حيث تزّوجها سنة 1936م، وأنجبت له في عام 1940م السّلطان قابوس، الحاكم الحالي لعمان – حفظه الله -، والسّيدة ميزون ولدت عام 1920م، وتوفيت كما أسلفنا عام 1992م بسبب مرض السّكريّ.

ثمّ رأينا الحيّ القديم وحصن طاقة بشكل سريع لتأخر الوقت، وفي تمام السّاعة العاشرة ليلا وصلنا منزل الشّيخ سعيد المعشنيّ، وأشرنا إليها سابقا أنّه إمام وخطيب تابع للدّيوان، وكنتُ قد طلبتُ من الأستاذ سعيد في بيت سالم المشهور أن يدعو الأستاذ محمّد المعشنيّ، وهو شاب في العشرينات من عمره، لديه منذ كان طالبا العديد من الإشكالات العقليّة، وعنده حاسّة نقديّة في قراءة النّص التّراثي، والتّقليد المجتمعيّ كغيره من الشّباب، ودار بيننا نقاش عن طريق وسائل التّواصل خصوصا قديما فيما يتعلّق بالألوهيّة، وما يشاع حوله الآن، ودار في المجلس بيني وبينه حديث طويل حول هذا، وعدم تقبل المجتمع لتساؤلات الشّباب، ممّا يلجأهم إمّا إلى النّفاق المجتمعيّ وهو الأغلب، أو إلى التّمرد كليّا؛ حيث يكون التّساؤل شبه مجرم، وغير متقبل، ولمّا تضيق دائرة الحوار، وتتسع دائرة التّصنيف والإقصاء، وهي مشكلة يعانيها العديد ممّن في سنّه، خصوصا مع عدم وجود منتديات حوارية حرة، لهذا يلجأ البعض إلى التّنفس عن طريق وسائل التّواصل باستخدام معرفات وهميّة، خوفا من المجتمع، أو ما قد يتهمون به من تهم الإلحاد وازدراء الأديان ونحوها، والحقيقة في نظري أنّ الإيمان لا ينبني إلا في بيئة حرة، والقوانين لابدّ أن تكون حافظة لحريات النّاس، ومنها حق التّساؤل والبحث، فضلا عن حق الإيمان والاعتقاد، والحوار هو الدّائرة الواسعة الّتي أمر بها القرآن الكريم.

وفي المجلس أيضا حدث حوار كبير بين الأساتذة أحمد النّوفليّ والحبيب سالم المشهور والأستاذ كمال اللّواتيّ والأستاذ سعيد المعشنيّ والأستاذ فيصل المشهور والأستاذ أحمد باعمر والحبيب علوي الكاف حول مسألة قتل المرتدّ وسورة التّوبة، وحول التّشدد المتأخر في مسائل الرّأي عند الإباضيّة، وتعارض الآراء بين بعض مسائل المتأخرين والمتقدّمين، وعند غير الإباضيّة كما عند الغزاليّ [ت 505هـ] وابن رشد [ت 595هـ]، وقضيّة التّنظير والتّطبيق ومآلات ذلك، كما عند محمّد باقر الصّدر [ت 1980م] في كتابه اقتصادنا، والبنك اللّاربويّ، كما تطرقوا إلى قضايا التّقليد والاجتهاد، ومدى ضبط مسائل معقولة المعنى وغير معقولة المعنى، وتطرقوا بصورة كبيرة في ذلك إلى الذّبح، لما شاع حينها من قضيّة دجاج ساديا، وهل يصح الذّبح عن طريق الصّعق، وحكم ذبائح أهل الكتاب، واشتراط التّسمية واستقبال القبلة، وطعام المسافر والطّالب لبلاد الغرب وهل هم أهل كتاب، وبعد هذا الحديث ونحن نقترب من منتصف اللّيل زوالا قدّم لنا الأستاذ سعيد مشاوي الدّجاج مع غيرها، لاشتراطنا عدم التّكلف، وكان الأصل أن نقتصر على القهوة، فآثار الغداء لا زالت باقية، فجاء بعضهم ممازحا ومداعبا هل هذه دجاج ساديا!!

وبعد هذه الجلسة الطّويلة والثّقيلة معرفيا أصبح النّوم يتغلب علينا، رغم وجود الشّاي والقهوة، ولكن كما قيل قديما: دواء النّومِ النّومُ، رجعنا إلى السّكن وفي الطّريق حدث نقاش مكثف بين الحبيب علوي الكاف والأستاذ أحمد النّوفليّ، حول الجدليات المعاصرة الّتي يكثر الحديث حولها، وحول كتاب أقانيم اللّا معقول لأستاذنا النّوفليّ، والحبيب الكاف يكثر من الاستغفار، وكان يشاركهم الحبيب أحمد باعمر، وأمّا أنا فكنت أدافع النّوم وتارة يغلبني، حتى وصلنا السّكن قرب الواحدة ليلا، لنستعدّ ليوم جديد كما سنرى في الحلقة المقبلة.