محمد المبارك خالد التيرابي*
ردم الهُوَّة التطويرية التنموية مقارنةً بالدول سريعة التقدم مُعضِلة لمن لا يُحسن الغوص في أعماقِ الأعماقِ للقيادة والتعليم والإدارة ، ولذا يجب النظر إليها مليَّاً من قبل القيِّمين على الأمر من مستبصري الحقائق عن كثب لا عن كُتبٍ فقط !!! وبخاصة من لهم صلة بالتطوير التنموي دراسةً وخبرةً وتطبيقاً ونتاجاً مثمراً من الأدمغة المهاجرة ، المتابِعة تمحيصاً ومقارنةً ميدانيةً لنماذج تنموية دولية حية ورائدة كالتجربتين السنغافورية والماليزية مثلاً ، اللتين اهتمتا بتنمية مهارات التفكير الناقد باعتبار أن التفكير منطلق أساسي لإصلاح التعليم وتطويره تحت شعار “مدرسة تُفكِّر ووطن يتعلم” كما هي الحال عليه في سنغافورة … بالإتجاه من مفهوم التلقين والحفظ ، إلى التعلُّم والتقصي الذاتي ، والمشاركة في صنع وصياغة مستقبل البلاد كمنهاج تنموي لا مفرَّ منه … الأدمغة المهاجرة التي يُرجى منها أن تعكف على دراسة الأمور بتأنٍ ودراية … بشقيها الإيجابي والسلبي … الإيجابي بمواصلة المسير فيه استفادةً وإفادة ، والسلبي بتجاوز الأخطاء والهنات – حتى لا تتكرر – وأخذ المواعظ والعبر منها مع مراعاة الوضع الخاص بكل دولة وما يتمشى مع ثقافة شعبها وتركيبته “العقلية” ومزاجه العام !!!
جدير بالتنويه أننا أشرنا فيما سبق من مقالات – كضربٍ من الترسيخ – إلى التعليم النوعي الذي يتطلب جهداً صادقاً ومُضنياً إذ لا تستقيم الأمور آنياً ومستقبلياً إلا به .
يقول الشاعر :
قم للمعلم وفِّهِ التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
أعلمت َ أعظمَ أو أجلَّ من الذي
يبني ويُنشئ أنفساً وعقولا
إلى أن قال :
سبحانك اللهم خير معلمٍ
علَّمتَ بالقلم القرون الأولى
أخرجت هذا العقلَ من ظلماتهِ
وهديتَهُ النور المبين سبيلا
وفَجَرَت ينبوع البيان محمداً
فسقى الحديث وناول التنزيلا
فمحاربة تفشي الأمية مثلاً لا يقتصر على غير المتعلمين فقط بل ينسحب على “المُترهلين فكرياً” الذين اقتنعوا بما عندهم من علم ولم يُطوِّروا أداءهم وعطاءهم يوماً بعد يوم تمشياً مع آخر المستجدات والمتغيِّرات ، وتوافقاً مع حاجات المجتمع العصرية وبخاصة في زمان سيادة الإعلام الترفيهي السطحي ، مع سيطرة إملاءات القوى الثقافية العالمية التي تسعى جاهدة إلى صهر ثقافات الشعوب كلها في بوتقة واحدة يغلب عليها الطابع الغربي المادي الاستهلاكي فقط ، حتى يسهل التحكم فيها !!!
إذن لابد من استقلالية ذاتية وتقديم التجربة الإسلامية الحقيقية – في المقابل – بأيدي علماء ثقات … غير نفعيين وغير قصيري النظر وقليلي الأدب والعلم والفكر الثاقب … علماء مشهود لهم بالنزاهة والإستقامة … تلك التجربة التي تجمع بين المادة والروح ، بين العقل والقلب معاً من غير إفراطٍ أو تفريط بعيداً عن الأغلاط التي تُنقل من الغرب من غير “غربلة” ، وتُعرض في شكلٍ زاهٍ جميل بخلاف معظم الواقع هناك بمآسيه الأليمة لمن خبِرَها … حيث تفتقر إلى “الأنسنة” ، أي أن يغمرها الجانب الإنساني رحمةً ورأفة وخيراً دفَّاقاً !!!
* خبير استشاري في التدريب الإعلامي والتطويري الذاتي والمؤسسي بخبرات دولية
taheel22@gmail.com
