وفاء بنت سالم تكتب: يوميات ما تهم أحد(15).. جولة ذاكرة

وفاء بنت سالم

عدوي العزيز
يبدو أن الرحلة التي كنتُ بحاجة لها تأخرت قليلًا، وكان لزاماً عليّ أن أقضيها في أي شيءٍ يجعلني أخرج من ضجيجِ الحياة والأفكار، إذ يبدو يا عزيزي أن الخروج خارج حدود المكان يسعفنا كثيرًا ،لذلك كان أن قررت أن تكون وجهتي الأولى “. ”
علي أن أصف المكان لك، ستقود سيارتك على طريقٍ وعر، ستمر “بالغيل” عبر غابة من النباتات التي تنمو في الماء، لا تستغرب رائحة المكان، فلا شيء هنا سوى الماء والزرع والسماء وأحجار بحجم قبضة اليد ،أصغر ربما وربما أكبر.
ثم إنعطف يمينًا، لتلتقي بطريقٍ معبد، أعترف لك بأني أكره الطرق المعبدة، كما أكره بيوت الأسمنت التي تنتشر على يمينك ويسارك، سوف يحملك الطريق لطريقٍ جانبي ضيق بين البيوت القديمة ،على يسارك بيت طويل جدًا مبني من الأحجار، هذا بيت جدي الذي عاش فيه والدي طفولته، وإني يطيب لي أن أتخيل جدي يتوسط الساحة في قلب منزله وحوله والدي وأعمامي، وبنظرته الصارمة وظهره المنحني يسألهم عما أنجزوه اليوم من أعمال.
غرفة والدي في أخر المنزل طويلة جدًا بها روازن ثلاث على يمينك ومباريق خمس على يسارك وفي واجهة الغرفة في أخرها يقبع سريره الخشبي المجلوب من زنجبار على يمين السرير مسند خشبي على ظهره مصحف كبير لم يسبق أن رأيت مصحف بحجمه. وعلى الوتد دشداشته، عمامته البيضاء.
هل تشم هذه الرائحة، إنها رائحة الشوران الممزوج بالصندل ،تستطيع شمها أكثر من رائحة العود الذي يعشقه والدي، وستجد منه في ملة”وعاء” صغيرة في إحدى الروازن، فهذه وصية جدتي لهم حتى يستيقظون وينامون على رائحةٍ طيبة.
بالمناسبة جدتي إبنة مثقال طبيبة شعبية، وقد ذكرت لي أمي كيف أنها كانت تُعد الخلطات وتعالج المصابين والمرضى حتى بعدما فقدت بصرها، أما ما أذكره عنها فهو رائحة الطيب الذي لم أعد أجده بعد وفاتها وصوتها وهي تغني لي بينما كنت أنام في حجرها الضعيف “نامي نامي يا صغيره”، أذكر كيف كنت أقف أنظر إليها وهي تجلس في الركن الأيمن للغرفة التحتية التي كانت مخصصة لنا، وكيف أنها بمجرد أن تسمع خطواتي “الدفشة” كما يصفونها كانت تنادي علي :تعالي بنت الحب والحبة.
وكم من مرةٍ أسأل نفسي تُرى هل هي ذكريات حقيقية أم أنها من خيالي الخصب.وسبب ذلك أني ذات حديث ذكرت لأمي حدث صار في بيتنا الكبير فنظرت اليّ نظرة دهشة ،خوف ،صدمة لا أعلم كيف أصفها، لكني أذكر ردها جيدًا :يستحيل لطفلة ذات أعوام أربع أن تتذكر ما حدث.
سألتها :وهل حقًا حدث ما ذكرته؟
أجابت بنظرةٍ رافضة :يستحيل ذلك، كنتِ صغيرة، صغيرة لدرجة الضعف.
ويحدث كثيرًا أن أذكر مواقف أو أحداث سبق أن حدثت أو تحدث لاحقًا، لذلك وفي وقت باكر توقفت عن ذكر ما يمر ببالي أو تذكرته نفسي.
حسنًا، لقد ماتت جدتي يا عزيزي وأذكر وجع رحيلها لأنه أوجع أبي، أمي وعمي الذي بكى على كتف أخاه كطفل.
لكن صورتها بردائها الأسود ولبساها الأزرق المرشوش بصور الورد لا تزال كملامح وجهها المجعد ،المجعد بسنوات الضيم، المرض والصبر على شقاء الحياة.
أما جدي لا شيء يذكرني به، فأنا ولدت بعد وفاته بأكثر من ربع قرن.
وما سرده والدي عنه يؤكد لي بأني كنت سأكون التحدي الأكبر له.
فما رواه والدي عنه يؤكد بأني لن أتقبل غضبه ولا قسوته، فلا شيء يجبرني على تحمل جبروت رجل إلا طفل أو حب يقيد به قلبي.
حسنًا يا عدوي العزيز، يبدو أني أطلت البقاء في هذا البيت الذي لم أسكنه في حياتي، لنخرج منه ولندع كل شيء في مكانه وانتبه وأنت تخطو بخطواتك للخارج أن تدوس على أهل المكان، قل بسم الله يحميك الله من شر الجِنة وغضبها.
سأكتب لك قريبًا عن المكان الذي زرته بعد خروجي من منزل جدي القديم.
أليس من الجميل حقًا أن أكتب لك وتقرأني رغم عدواتنا؟! °
ألتقيك في رسالة أخرى.