حمد بن سعيد المجرفي يكتب: حُسن الظن

حمد بن سعيد المجرفي 
تتغير بعض النظرات وتتماشي مع التغيرات الحياتية بلا أية مبالاة بمشاعر الغير ، وما تلقي اليه تلكم النظرات بمن حولها .
فالبعض ينظر من زاوية ، والبعض الآخر ينظر من زاوية أخرى ، فجميع النظرات وإن كانت متساوية أو تساوت فى الرؤية ، غير أنها تختلف فى التركيز ، ويتخلف البعض فى تفسيرها ، ويعرج لها بنواقصه ، فيبدأها ممثلا بها عن نقصانه لا عن كماله وجماله .
فحسن الظن هو شعور إيماني مرتبط ارتباطا كليا بالتمسك بقوه الإيمان بالله ، كما أنه ثقافة داخلية تتوالد بالمراء ، منبثقة من نظرات ثاقبة لما يكنه الشخص ، ممثلا به نفسه ، ليلقي بالثقل على من حوله .
فليس لنا القوة على تغيير القناعات ، وليس لنا القدرة على صناعتها ، ولكن يحق بأن نلقي دعوة الى تغييرها ، واستبدال النظرات السلبية بشعور إيماني يتماشي مع الايجابيات .
فكم من عزيز قد ذل ، والسبب سوء الظن ، وكم من صديق مخلص قد ضممناه فى قائمة الأعداء ، والسبب سوء الظن ، وكم من مريض قد قلنا عنه متمارض ، وكم من ابتسامة صادقة قلنا عنها خباثة ولؤم ، والسبب سوء الظن ..
لنعلم جميعا بأن حسن الظن هو شعور عميق ينبع من القلب لإعطاء كل ذي حقً حقه .
فعلينا بأن لا ندير ظهورنا لما يحدثنا به القلب ، وما يولده من عواطف ، فأغلب ما تشعر به قلوبنا هو الإلتفاف نحو المشاعر الذي يميل إليها ، فلا تجعله منصة للحكم على الآخرين ، كي لا تتغلب عليه طوابع الاعجاب ، ويبحر فى دوامة التفضيل ، وحين يغرق تعمى البصيرة ..
فحسن الظن بأن تتبسم لمن يحدثك ، وحسن الظن بأن تثق بنفسك ، وحسن الظن بأن تعامل الناس بأخلاقك ، وحسن الظن بأن تواسي من حولك ، وحسن الظن بأن تتعلق بالأمل وأن تراعي الشعور به ، وحسن الظن أن تنظر للأمام ، وأن المستقبل بيد رب الكون ، فلا تتذمر ولا تيأس ، ولا تستسلم للظروف ، وحسن الظن بأن تسامح وتصفح وتعفو ، وحسن الظن أن تتبسم ولو بك من الهم والحزن ما بلغ السماء ، لكونك على يقين بأن لك رب قادر على إسعادك ،
وحسن الظن بأن تؤمن بأن ما أصابك من بلاء هو رحمة لتكفير الذنب ، وما أصابك من خير هو رحمة لك وعطاء منه جل جلاله ..
قال تعالى فى الحديث القْدُسى: «: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ”
لذا علينا بأن نتصالح مع أنفسنا ، وأن ننتقي الكلمات ، ونحتضن بَعضُنَا البعض ، ونحسن الظن ولا نسيء الفهم ،
فمن سوء الظن أن تاتي فى مجلس ما ، والجميع يقف مرحبا بك ، وترى شابا فى مقتبل العمر لم يقف لك ، فتحدث عنه خاطرك وتقول عنه متكبر ومغرور ، وبعد المضي ، تعلم بأنه لا حيلة له على الوقوف لكونه شخص معوق ، هنا يتأنب ضميرك ، وتحزن وتندم وتضيق بك الارض بعد رحاب !
لذا فعليك بأن لا تسيء الظن ، لكونك قسوت على ذلك الشخص ، وقسوت على نفسك ، رغم أنك كنت تستطيع تجنب تلك الاساءة وتحسن الظن ..
ناهيك عن سرد آخر :
شخصان تربطهما صلة القرابة ، مضيا فى طريق ضيق ، فشعر أحدهما بالتكبر والغرور ، ورفض بأن يرجع للخلف لسوء ظن بأن صاحبه تعمد على التقدم للامام على الرغم مع أنه كان الأقرب للرجوع ، بينما الآخر يحاول إقناعه بصعوبة رجوعه ، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فأحسن الظن بصاحبه ومن ربطته به القرابة ، وأخذ يقاوم ضيق الطريق وصعوبتها فى الرجوع ، فالأول أخذه الكبر والغرور وأساء الظن فى قريبه بينما الآخر أخذته الشفقة والمعزة فى قريبه ، وأحسن الظن به ، شتان ما بين فكر وثقافة الشخصين ، ولولا أحسن ذلك المخلص التصرف لعض أصابع الندم فى معاملته بالمثل .
وهناك الكثير والكثير ممن لم يحسنوا الظن ، ليمض بهم الحال الى الندم .
لذا علينا جميعا بأن نحسن الظن ونعلم أبناءنا على حسن الظن ، لأنه سبيل للتوفيق وآمان للأماني ، وتحقيق للأهداف ورسم للحلم ، وتوفيق بالله وتعلق قلبً به .