منى بنت سالم المعولية
رحلت النقية وترجلت على الأعناق ، محمولة في تشييع مهيب إلى حيث خضبت أصابعها بتربة الجحيلة في طفولتها، وإلى حيث أوصت أن يعود جسدها لينام نومتها الأخيرة لتتوسد يمينها بجوار والديها ومن سبقها إلى الخلود من أخوتها ، رحلت جميلة كما كانت تحمل معها ابتسامتها ، حين قبلت جبينها للوداع الأخير لاح لي وجهها ضاحكا أو ربما هكذا قلت في نفسي أني أتخيل ، لتفاجئني أختي بذات الإنطباع وتقول “سبحان الله وجه المرحومة منور وكأنها تبتسم”. لا أنكر أني حين انحنيت على رأسها همست لها : أمي فاطمة سامحيني فقد عصفت بي ريح المشاغل ورمتني حد التقصير نحوك ونحو أمهاتي الأخريات اللاتي عشت بينهن طفولة وذكريات ومراحل لاتنسى. لقد عاشت محبة لأهلها وانتهجت سيرة المرحوم العم طالب بن سعيد المعولي ، فظلت وفية بالسؤال عن كل فرد فينا كلما زارت أو زارها أحد ، قالت لي أحد العمات أنها تلح بالسؤال عنا كلما رأتها (كيف أولاد المرحوم سالم تشوفوهم؟!،) يبدو أننا نغوص في غيبوبتنا الحياتية ونطفو صحوا احيانا بعد فوات الأوان ، لقد نست الوالدة فاطمة العامرية أني كبرت وأن تلك الفتاة الصبيانية بشيطنتها قد كبرت كثيرا ربما أكثر مما كان ينبغي ، فبقت مخلصة تبعث لي العيدية! نعم حتى وأنا امرأة وأم أجد عيديتي أمانة لدى والدتي كل عيد وأضحك بقوة ويضحك من حولي وتتصايح شقيقاتي مستفزات لي “يبغالها العجوز بعد يطرشوا لها عيدية” العيد القادم سيكون سيئا جدا ففي العيد المنتظر سأعرف أني قد كبرت ومات اخر من كان لايزال يراني طفلة فالبعض يموت لتموت معه أفكارنا الحلوة ، يرحلون متتابعين ومع كل جسد يرحل تموت ذكرى ومع كل موت أشعر بفراغ يعصف بتماسك قبيلتنا ف لا المراغ بقت لتلمنا تحت سقفها ولا البيوت المتهالكة دامت لتحكم قبضتنا ، من المضحك كلما رحل احد فينا نبعث بالرسائل ولا أحد يرد بالتأكيد
أين الغسل؟
أين الدفن؟
أين سيقام العزاء؟
لأننا تبعثرنا في أرجاء المعمورة وقد اغتال الشارع البحري حظوظ تجمعنا
فلم يعد مسجد الغوانم يستقبل تحت قبته المصلين والمعزيين وطفقنا متناثرين تحت القبب البعيدة ننصب عزيتنا
