وفاء بنت سالم
عزيزتي أ
لقد وصلتني رسالتك، ومن الجيد أنك أخيرًا بدأتِ بعد إنقطاع تعسفي دام لنصف عام لم أجد له سبب، لذلك تجاهلته وتجاهلتك معه.
ألم أكن أنا أيضًا مستعدة لأبدأ من جديد، ألم أخلع كل شيء ينغص عليّ وقتي وتخليت عن الكثيرين ممن لا يسبب وجودهم في حياتي سوى الحزن والكثير من الضيق، لقد تخففت حينها ،وبدأت أواصل العيش بطريقة معاكسة لما تعودت عليه، لقد بدأت اُخالط الناس وليس الصغار كما طلب مني معالجي النفسي، ولكن الناس، بعض الناس أسوأ من سوداويتنا يا عزيزتي، لقد عانيت في هذه الأشهر ضعف ما عانيته خلال سنوات عمري العشر الفارطة، هل تتخيلين ذلك؟
كانت أشبه بلكمة ملاكم محترف على كتفِ الأيمن، الكتف الذي عانى هو الآخر من سقطات ونكبات طوال ثلاثون عامًا.
وكلما تسطر الشيب على خصلة من خصلات شعري بادرت بالركض حافية أيضًا حتى لا أُقصر في حق هذا الجسد الذي ترفرف فيه الروح وجلة معظم الوقت من الإهتمام، فلجسدي علي حق رغم كل سوء.
إن لم تستطع الروح مواساة نفسها يا عزيزتي فهي لا خير يعول عليها.
وبمناسبة الحديث عن الروح يا عزيزتي، هذه الروح تشتاق لسفرِ العودة، العودة لطنجة ،المكان الذي لجئنا إليه بحثًا عن أجوبة وربما هربًا منها،فهل سنجد الوقت لذلك قبل أن يغادرنا العام بكل تقلباته ؟
وأنا يا عزيزتي أغبطك كثيرًا فلديك طرق عدة للهرب ولو مؤقتًا من النظر للوجوه حولك، الوجوه التي أنتِ مجبرة على الإبتسامة لها طوال اليوم، بل طوال فترة مكوثك معها.
لكني هنا إن عانق الصمت وجهي امتعض من حولي، وإن أخذت نفسي مسافة 10 أمتار طرق الباب مرات عشر في الدقيقة الواحدة، أنا رغم المسؤوليات الكثيرة والضغوطات القاتلة أشعر بهوةٍ سوداء تشدني نحوها بقوة.
تسألني إحداهن :هل يرعبك تقدمك في العمر؟
أجبتها :بل يرعبني أن لا أمنح كل عمر حقه.
أما عن سؤالك في بناء المستقبل، فكيف أقولها لك ؟
ألم نولد في نفس المجتمع الذي يكرر على مسامعنا بأن كل مولود ولد برزقه ولن يغير ما كتب له مهما حاول ذلك، حتى فشلنا ربطوه بالرزق الذي كتب لنا على أوراق شجرتنا، ياه يا عزيزتي الآن وأنا افكر في جهل الأفكار الذي رُبينا عليه أفهم جيدًا لما لم يتغير العالم حول أهالينا، ولماذا نراهم خاضعين هكذا لكل شيء ومتقبلين كل التقلبات والتغيرات، إنه التلقين يا عزيزتي، التلقين المبكر الذي هو أشبه بالدروس الإيمانية التي تُطالبك أن ترضخ لأوراق شجرتك التي خلقت معك.
إن الروح الترابية النارية والمائية الهوائية لا تقبل بالرضوخ يا عزيزتي لذلك هي تسعى وتسعى رغم الركود والبرود.
أما تظاهرنا بعدم الإهتمام فما هو إلا إعلان آخر لأرقٍ قد يستمر معنا أسابيع عدة، أرق يسرق منا ساعات القيلولة والراحة، و يؤسفني أن أُخبرك بأنه قد عاد وتمكن مني واشعر بالإضطراب الذي يعاني منه جسدي بسببه ،وإني أغبط أولئك الذين يضعون رؤوسهم على الوسادة فتضمهم ضمة النوم بهدوء سريع.
أما عن الكتابة يا صديقتي فهي الحقيقة الوحيدة في حياتنا، الحقيقة التي تُعرينا من زيف كل شيء، إنها كما ذكرت لك أشبه بالشيطان الذي يظل يوسوس حولنا حتى ندلو بدلونا نحوها.
إن شئتِ ضيقي المسافات كما كانت سابقًا وبثي فرح اللحظات فيها، وإن شئتِ عودي لسكرةِ الهروب والمسافات الشاسعة. فما المسافات في هذه الحياة وحولنا سوى قميص مزقناه لحظة الفرح وكفنا أرواحنا به ساعة الحزن.
