فايزة محمد تكتب: أيام في يزد.. مدينة التراث والتاريخ (2)

فايزة محمد

يزد.. هذه المدينة الصحراوية الساحرة التي تقع في وسط إيران، تُدهشك في كل شيء، بسحرها وجمالها وروعة مبانيها الطينية القديمة، في تراثها وأسواقها ومساجدها ومعابدها وحاراتها القديمة، في حركة الناس فيها، وقد قرأت أن ماركو بولو زارها خلال سفره إلى الصين ودعاها بـ”مدينة يزد النبيلة والجميلة”.

ورغم حرارة الجو التي تشتهر بها المدن الصحراوية في إيران ومنها يزد؛ فإن الجو كان -أثناء زيارتنا في يونيو الماضي- معتدلا نسبيا في النهار وجيدا في المساء، رغم أن هذه المدينة تعتبر من المدن الحارة والمناخ الجاف في هذا البلد.

وهناك ثلاثة أشياء تلفتْ انتباه أي زائر يدخل مدينة يزد لأول مرة؛ هي: أبراج الرياح، وأبراج الصمت، والحارات القديمة.

وإذا تحدثنا عن أبراج الرياح أو الملاقف، فهي منتشرة في بيوت يزد وخاصة البيوت القديمة، وقد سألتُ عنها وقالوا لي إنها أسلوب قديم اشتهر به سكان يزد بحكم ارتفاع درجات الحراة فيها؛ مما اضطر السكان إلى بناء هذه الأبراج فوق البيوت والمجالس وأماكن التجمع الأخرى مثل المساجد والحسينيات ودوائر الحكومة… وغيرها للتغلب على ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف؛ فعن طريق هذه الأبراج يدخل الهواء الساخن خلال فتحات في الجهات الأربع الشمال والجنوب والشرق والغرب، ثم ينزل إلى الأسفل فتنخفض حرارته بدرجة كبيرة، وعلمتُ أيضا أنَّ بعض المناطق الإيرانية أخذت هذه الفكرة من يزد، مثل مدينة بستك التي تقع في محافظة هرمزكان بجنوب شرق إيران على مضيق هرمز.

ومن المعالم البارزة في يزد أيضا: أبراج الصمت؛ وهي خاصة بأتباع الديانة الزرادشتية، وهي ذات شكل دائري على قمة تلة أو جبل منخفض ويستخدمها الزرادشتيون عندما يُتوفَّى أحد الأشخاص عندهم؛ حيث يوضع فيها جسد المتوفَّى في أعلى البرج حتى تأتي الطيور الجارحة وتأكله، وهي موجودة بكثرة في يزد والمدن المجاورة لها؛ حيث يعيش كثيرٌ من أتباع هذه الديانة هناك، ولكن قيل لي في يزد إنه في الوقت الحاضر فإنَّ الزرادشتيين يقومون بدفن موتاهم كالآخرين، وظننتُ بادئ الأمر أنَّ سبب ذلك يعود إلى رأيٍ اتَّخذه رجال الدين عندهم، ولكن بعد السؤال اتضح لي أنَّ المنع يعود للحكومة، وتحديدا إلى زمن الشاه رضا بهلوي (1878-1944م)، الذي حاول أن يدخل التحديث إلى إيران ويجعل منها نسخة من تركيا الأتاتوركية، وقام بمنع ممارسة كثير من الشعائر سواء الإسلامية أو الزرادشتية، ولكنَّ كثيرًا من الزرادشتيين أصرُّوا على ممارسة هذه العادة حتى سبعينيات القرن المنصرم، وسمعت من بعض سكان يزد أنه يوجد في بعض القرى النائية في إيران بعض أتباع هذه الديانة ما زالوا يواصلون ترك موتاهم في أبراج الصمت، ويقال إن هذه العادة موجودة أيضا لدى الزرادشتيين في الهند.

وأجملُ ما في يزد حاراتها القديمة، التي تُشبه إلى حدٍّ كبير حارات نزوى، وهي تتكون من بيوت طينية وهناك من يقول بأنَّ يزد واحدة من أكبر المدن التي بُنيت بالكامل تقريباً من الطين. ويوجد فيها أكثر من 15000 بناء تاريخي مسجَّل في اليونسكو ضمن التراث العالمي، ويمنع سكانها إدخال أي تغيير في البيوت الموجودة فيها قد يؤثر على شكلها ومعمارها التاريخي، والتجول في هذه الحارات ممتع جدا، ويُشعرك وكأنك انتقلت فجأة من الزمن الحاضر إلى عهد الدولة القاجارية أو الصفوية؛ لذلك فإنَّ عمودا صحفيا لا يكفي للحديث عنها وعن متعة التجول فيها؛ فمن يُرد أن يعيش في الزمن الماضي بجميع تفاصيله، فليزُر مدينة يزد.

وإنني هنا لأشكر بشكل خاص الدكتور علي منتظري المتخصِّص في الأدب العربي، وزوجته سمية رحيمان مدربة البيلاتس، وابنيهما طه والزهراء، هذه العائلة اليزدية الجميلة التي تعرَّفنا عليها في مسقط وكانت معنا طوال رحلتنا إلى شيراز ويزد، وكانت نعم الرفيق طوال الرحلة.