الكاتـب محمـد العامـري*
خرج المحقق الشهير شارلوك هولمز والدكتور واتسون في رحلة تخييم، وبعد العَشاء ذهب كلاهما للنوم..
ولكن بعد بضع ساعات..
استيقظ هولمز وأيقظ معه الدكتور واتسون: واتسون انظر إلى السماء وأخبرني بما ترى..
واتسون: إني أرى النجوم يا هولمز !
هولمز: وماذا تستنتج من هذا؟
صمت واتسون هُنَيْهَةً ثم أجاب: حسنًا.. على المستوى الفلكي يخبرني هذا بأن هناك بلايين النجوم المحتملة، وعلى مستوى علم التنجيم ألاحظ أن كوكب زحل في برج الأسد، وعلى مستوى علم قياس الوقت أستنتج أن الوقت تقريبا هو الساعة الثالثة والربع تقريبا، وعلى مستوى الطقس أعتقد أننا سنحظى بيوم رائع غدا، وعلى مستوى الدين أستطيع رؤية أن الله واسع القدرة بديع الصنع.. والآن قل لي ماذا أخبرتك السماء أنت يا هولمز؟
هولمز: واتسون.. لقد سُرقت خيمتنا !!
***
سوف تجدون إجابة بَرْقِيَّةً هادئة عن سؤال:
كيف ترصد المشاعر كالمُقْنِعيـــن المحترفين؟!
أعتقد أن على (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف أن يمتلك جهاز استشعار حساس جدا لرصد مشاعر المستهدَف..
وسوف تتضمن الإجابة محورين:
١)ما المقصود برصد المشاعر؟
٢)إلى أي مدى يتم رصد المشاعر؟
***
١)ما المقصود برصد المشاعر؟
عندما تشير بإصبعك نحو القمر لتلفت انتباه مستهدَفٍ ما لجمال القمر، ثم يرد عليك بامتعاض: إصبعك متسخة! فأنت عادة أمام سيناريوهين كلاسيكيين:
الأول: تستمرُّ جاهدا في إقناعِه بجمال القمر بالطريقة نفسها..
الثاني: تحاول باستماتة الدفاع عن نظافة إصبعك..
وكلا السيناريوهين غير فعّالَين:
فالأول كأنك تحاول أن تحوِّل رأس تمثالٍ أثري للجهة المقابلة؛ لسبب واضح، وهو كون المستهدَف قد صبَّ كامل تركيزه على إصبعك، فمن العبث حينها أن تطلب من الأعمى أن ينظر لجمال وردة جوري متفتحة مررتما بها !!
أما الثاني ففضلا عن أنَّ فيه انتقالا على مستوى الهدف الإقناعي من القمر للإصبع، فإنك بذلك تحكم على نفسك بالصيرورة إلى مُدافِع مهزوز الجانب؛ لتبرير نظافة إصبعك لمستهدَف لم يُبالِ أصلًا بجمال القمر !!
إن (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف لا يستهلك وقته في ذَينِكما السيناريوهين؛ لأنه يدرك أن الإشكال الحقيقي ليس متلبِّسا بالإصبع ولا بالقمر بل بالتأطير الفكري الذي يُسَيِّر مشاعر المستهدَف.
اسمح لي – ابتداءً من هذا السطر – أن ألتمس منك مواصلة التركيز بعمق:
إن رصدك المبكِّر لمصدر مشاعر المستهدَف يجعلك تعرف من أين تُؤكل الكتف ! فتركز حينها اتجاهك على استدراج المستهدَف للحديث عن ذلك المصدر فتكسب القوة والوقت، وهذا مصدر يتمثَّل في الإطار الفكري الذي يبثّ موجات تلك المشاعر..
فعندما تمتلك جهاز استشعار حساس جدا يغدو بذلك رصدك للشعور استباقيًا كالرعد قبل حلول العاصفة، وليس كرائحة الأرض بعد هطول المطر، تمامًا كقوة انتباه صديقنا شارلوك هولمز الذي كان نائما مع صديقه واتسون داخل الخيمة، وما إن فتح عينه وأبصر النجوم اكتشف مباشرة أن الخيمة سُرقت، وليس كالدكتور واتسون الذي شغلته النجوم عن المشهد الحقيقي !!
إن هذا الجهاز الذاتي الذي يرصد هذا الشعور يتم النظر إليه على أنه خيط يقودك لمصدره (الإطار الفكري) وحينها تكون أمام سيناريوهات مطوَّرة، فتستدرج المستهدَف إلى الحديث عن تأطيره ليتعمَّق فهمك فيه، ثم تقوم بتهذيب هذا الإطار، فتتعدل التفاصيل المنضوية تحت لوائه تلقائيًا، أو تختار – بذكاء – أن تستثمر هذا الإطار المغلوط في إقناع المستهدَف بأمر آخر يتماشى مع هذا الإطار، أو تختار أن تنتقل بعيدا عن هيمنة هذا الإطار لتكسب المزيد من الوقت..
تعال معي عزيزي (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف لنستحضر مثال القمر لنطبق عليه التنظير السابق:
ما دام أننا اتفقنا على عبثية العمل بالسيناريوهين سالفَي الذكر فلنقم بتحليل شعور الامتعاض بعدما رصدناه مباشرة، سنجد أنه يقود إلى وجود تأطير فكري في ذهن المستهدَف يقضي بـ: سهولة اشتغال ذلك المستهدَف بالتوافه التي تصده عن الأمور العظيمة..
حينها كل ما عليك فعلُه هو اختيار طريق خالٍ تمامًا من أية شوائب لتضمن وصول المستهدَف مباشرة إليه، فتتصرف مثلا كالآتي:
تخفض يدك مباشرة ثم تصمت لمدة ٣ ثوانٍ وأنت ناظر إليه مرتديا قناع الوجه الإسمنتي – سيأتي بيانه بعد أسطر – وتقول له: هل تعلم أن في الثقافة الأمريكية يُعدُّ القمر أيقونةً للقبح بخلاف الثقافة العربية التي تراه رمزًا للجمال.. ما رأيك في ذلك؟
(قناع الوجه الإسمنتي هو التحكم التامّ بتعابير الوجه لتبدو بمنتهى الحيادية بحيث لا يمكن استنتاج أنها تعبِّر عن رضى أو سخط، أو فرح أو ترح، أو فخر أو غضب.. إلخ، وهذا القناع في غاية الأهمية، ويستوجب على (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف أن يقوم بارتدائه في حالات معينة لتمرير بعض الكرات، فقط يلزم المزيد والمزيد من التدريب أمام المرآة، فإذا كان ريهان (أمير خان) قد استطاع أن يُري زوني (كاجول) مدينةَ دلهي عندما كانت عمياء بطريقته الخاصة في الفيلم البوليودي (Fanaa)!! فأنت قادر إذن على ارتداء هذا القناع باحترافية).
نعود سويا للتصرف السابق، أنت بهذا التصرف تكون قد ابتعدت عن الانخراط في إطار المستهدَف الفكري الأصلي، مختارا عدم تعديله – على الأقل حتى حين – بل توجهت للانتقال إلى معادلة أخرى تشتغل عليها، وهي معادلة المقارنة، فينتقل تركيز المستهدَف تلقائيا من إصبعك إلى الانخراط في معادلة المقارنة فيجيبك عن رؤيته فتغوص معه بعد ذلك أكثر وأكثر، والأهم من ذلك هو بقاء هدفك الإقناعي (جمال القمر) ثابتًا من غير تحوير أو تحويل !!
وبعد أن عرّجنا على المقصود برصد المشاعر آن لنا أن نعرف السقف الافتراضي لهذا الرصد، وذلك من خلال المحور الثاني:
٢)إلى أي مدى يتم رصد المشاعر؟
إنه ثمة مشكلة موغلة في العمق تواجه كل متلقٍ للمعرفة، وتتمثّل في تلازم ما يُنقل لنا من معلومات، فإننا لا نكاد نؤمن بمعلومةٍ ما حتى نحتفيَ بها لدرجة التعاطي معها بعيدا عن شبكة القوانين التي نؤمن بها كذلك، وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة إخضاع المعلومة الجديدة وفق ما تفرضه هذه الشبكة، فعادةً ما تكون المعلومات التي نتلقاها مادة خامًا غير مطلقة، فلا بد من أن تراعي فيها التوقيت والمكان والموقف والظرف والشخصية والمصلحة والنتائج الهامشية…إلخ مع أهمية تحديث هذه الشبكة بشكل دوري، فليس بالضرورة كل ما نراه صحيحا اليوم سنراه كذلك غدا إن كنّا صادقين حقًا في البحث عن الصواب !!
التمهيد السابق يجعلني مستعدا لأهمس لك عن صفة متأصّلة فيك، وهي إن التعاطي مع المشاعر بعد رصدها يجب ألا يمسّ كرامتك الإنسانية ومصلحتك الشخصية، فلا تلجأ إلى إذلال نفسك حتى تكسب ودّ المستهدَف، والمفاجأة المزعجة هي أن المستهدَف لن يراك حينها ودودا بل ضعيفا، وهذا من شأنه أن يؤثر عليك سلبا في عمليتك (التفاوضية/الإقناعية) !!
لقد سمعتُ سؤالك !!
هل ثمة استثناءات؟
نعم يا صديقي هناك استثناءات تقوم بها بشكل مؤقت وبحذر وبذكاء، فمن المفيد أن تدرك أن (المفاوِض/المُقْنِع) المحترف مَرِنٌ كالزئبق، يتخذ شكله (بعض التفاصيل الهامشية) حسب الإناء (المعطيات المتاحة)، ولكن مع بقاء صفاته الفيزيائية كما هي (المبادئ).
في الختام أعترف أنني ضغطتُ الطرح في هذا المقال لدرجة تُشبه الإلغاز، فقط ثِق أن هذا المقال يستدعي أن تقرأه عدة مرات لتكتشف أنه أفضل ما شاركتُه معك على الإطلاق، فرِهاني على فطنتك، وانتظرني على الموعد القادم، فجَيبي يحمل لك العديد من المفاجآت..
كم تُسعدني مشاركتكم إياي تجاربكم الإقناعية على بريدي الإلكتروني:
m.alaamri610@gmail.com
*كاتب ومدرب وباحث متخصص في التفاوض والإقناع / مؤسِّس فرْضية الإقناع السري (SPx8) مسجلة لدى دائرة الملكية الفكرية بوزارة التجارة والصناعة / ماجستير لغة عربية / ممارس معتمد من المركز الأمريكي للتنويم بالإيحاء.
