الرّحلة الظّفاريّة (الحلقة الثّانية).. زيارة فضيلة القاضي أحمد الخطيب

بدر بن سالم العبري 

 

قبل أن نشرع في هذه الحلقة نسيت ذكر الأستاذ الجليل عبد الله العليان في الحلقة الأولى، وقد استقبلنا في المطار، والأستاذ العليان قامة عمانيّة ثقافيّة، واسع الاطلاع، خصوصا في الحركات الفكريّة المعاصرة، كالحداثة واللّبراليّة والعلمانيّة وغيرها، وله اطلاع كبير على فكر محمّد الغزاليّ [ت 1996م]، ومحمّد عابد الجابريّ [ت 2010م] مثلا، كما له اطلاع بالوطن العربيّ وحركاته التّحرريّة، وبالاشتراكيّة والفكر الماركسيّ، ويعشق مصر وخبير بها وبملكيتها وناصريتها وحاضرها، وله العديد من المقالات، وهو من أقرباء الكاتب والمناضل العمانيّ المعروف محمّد بن عبد الله العليان [ت 2018م] – رحمه الله ورضي عنه -، وفي المطار اعتذر  عن صحبتنا لبيت الحبيب سالم المشهور كما تحدّثنا في الحلقة الماضية.

عموما بعد الغداء في منزل المشهور، وعند السّاعة الخامسة عصرا، قررنا الّذهاب لزيارة الفقيه والعالم القاضي أحمد بن محمّد الخطيب، وأصله من ولاية  ضلكوت، ويعتبر من كبار علماء السّنة في عُمان، إن لم يكن أعلمهم، “وفي عام 1384هـ الموافق 1963م رحل إلى المدينة المنورة، والتحق بمدرسة دار الحديث، وكان ملازما لحلقات التّعليم للشّيخ أبي بكر جابر الجزائريّ [ت 2018م]، وسمع من الشّيخ عبد العزيز ابن باز [ت 1999م]، والشّيخ محمّد أمين الشّنقيطيّ [ت 1974م] والشّيخ عطيّة محمّد سالم [ت 1999م]”[1]، وهو شافعيّ المذهب، سلفي المعتقد، إلا أنّه فقيه أيضا في المذهب الحنبليّ بحكم الدّراسة في المملكة العربيّة السّعوديّة، “وكان يقول إنّ الانتساب الشّرعيّ إنّما هو للإسلام، أمّا الانتساب إلى ما سواه إنّما هو لتمييزه، وكان دائما ما يردّد قول الإمام الشّافعيّ [204هـ] – رحمه الله -: إذا صح الحديث فهو مذهبي”[2]، “ولِي القضاء في محافظة ظفار عام 1391هـ الموافق 1971م، وقد تدرّج في مناصب القضاء إلى أن عُيّن قاضيّا بالمحكمة العليا، وهو يترأس حاليا لجنة التّوفيق والمصالحة في المحافظة”[3]، كما أنّه أيضا عضو في اللّجنة الرّئيسة لرؤية هلال رمضان وشوال من كلّ عام.

والشّيخ مجلسه عامر بالمستفتين، فما أن يخرج شخص إلا ويدخل آخر، ويجلس يوميا بعد العصر للإفتاء وقضاء وحوائج النّاس وللإصلاح والشّفاعات، ومن حسن الطّالع في زيارتنا السّريعة له جمع بين الثّلاثة: الإصلاح في أحد القبائل، والإفتاء، والمدارسة العلميّة، وبعض الفتاوى والحديث بلغتهم الجباليّة الّتي لا نفقها.

في البداية تقدّمنا الحبيب علوي الكاف، ولما رآنا الشّيخ قام ورحب بنا، وسألنا عن الأخبار، وقدّم لنا الشّاي، وقام علوي الكاف بتعريفنا، والشّيخ يجلّ الحبيب علويّ الكاف كثيرا.

ولما أنهى موضوع الإصلاح لأحد القبائل؛ كان الحديث مع الشّيخ عن ضرورة التّقريب والتّعارف بين المدارس والمذاهب الإسلاميّة، والشّيخ بيّن ضرورة ذلك، وضرورة معرفة الآخر، لهذا جرّ الكلام إلى قضيّة الأخذ من مذهب آخر، حيث سألته في قضيّة المذاهب الفقهيّة الأربعة المعروفة، فالشّافعيّ مثلا له رأي قد يخالفه النّووي [ت 676هـ] وابن حجر [ت 852هـ] مثلا، فأيّهما قول الشّافعيّة، كما توجد مسائل حدثت أو نوقشت بعد الشّافعيّ، ومنها مسائل النّوازل، كما عند أبي زهرة [ت 1974هـ] مثلا، فالشّيخ قال – حسب حفظيّ – لكلّ مذهب أصول، فهناك أصول المذهب الحنفيّ والمالكيّ والشّافعيّ والحنبليّ، وهناك فروع واجتهادات، فتنسب الفروع إلى الأصل باعتبار أصل المذهب، ولو خالف المتأخر المتقدّم أو جدّ عليه.

وأمّا في قضيّة الأخذ من المذاهب فيرى الشّيخ العبرة بالدّليل، فإذا صح الدّليل وجب اتباعه، ولو خالف المذهب، إلا أنّه هنا حدث جدل حول العاميّ إذا رأى الأخذ من المذهب الآخر إذا كان أرفق له وأيسر، ولو خالف مذهبه، أم لابدّ من تقليد المجتهد، وهنا تطرقنا إلى نموذج مثلا الطّلاق بالثّلاث، ومن حسن الصّدف أنّ رجلا دخل المجلس وقد طلّق زوجته ثلاث مرات بلفظ واحد، ويريد رخصة من الشّيخ، ولمّا ضربنا المثال تبسم الشّيخ وقال هذا جاء لمثل مسألتكم، وكنا لا نفقه لأنّهم الظّاهر يتحدّثون بلغتهم الجباليّة، حيث ضربنا مثلا ترجيح الإمام ابن تيميّة [ت 728هـ] وتلميذه الإمام ابن القيم [ت 751هـ] بأنّ طلاق الثّلاث يقع طلقة واحدة، وهو الظّاهر مذهب العهد الأول قبل تشديد عمر ابن الخطاب [ت 23هـ]، وعلى الطّلقة الواحدة الإماميّة، فيما ذهب الجمهور إلى وقوعه ثلاثا، مع التّفريق بين لفظ التّوكيد والتّأسيس في قول: أنت طالق طالق طالق، أو إذا قال: أنت طالق ثلاثا أو مائة، قلنا له: مثلا ابن باز وابن عثيمين [ت 2000م] على مذهب الجمهور أنّه يقع ثلاثا ما لم يرد التّوكيد حال تكرار اللّفظ، بينما يرى ابن تيميّة وتلميذه ابن القيم أنّ الطّلاق يقع مرة واحدة، وجميعهم ينتسبون إلى المذهب الحنبليّ، وأضيف هنا: وقد رجّح قول ابن تيميّة وتلميذه مثلا أبو زهرة، وخالف مشهور الشّافعيّة، والعديد من المعاصرين، والشّيخ هنا فيما يبدو لي ويظهر من كلامه أنّه يميل إلى هذا، أو يرى على الأقل وجاهته، ولا أستطيع التّقول عليه لأنّ الكلام عامّا، وتحت مسألة التّقليد، والشّيخ يرى ويؤكد على ضرورة اتباع الدّليل، مع القدرة على الاجتهاد.

والطّلاق بالثّلاث جرنا للحديث حول ابن تيميّة وتلميذه وكتاباتهم، حيث أنّهم كتبوا لغير عصرهم من حيث اللّغة والأسلوب، وقلت له: من يتأمل كتابات ابن تيميّة يجدها غريبة عن زمنه من حيث الأسلوب، مع الموسوعيّة، وابن القيّم أسلوبه ظهر على العلاّمة ابن سعديّ [ت 1956م]، وتلميذه ابن عثيمين، وخصوصا الثّاني، وهنا سألنا الشّيخ من ابن سعديّ: فأجاب أحد تلامذته بالمجلس قال صاحب كتاب التّفسير أي تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنان، وعلّق الشّيخ بمعرفته مع تعليق خفيف؛ لأنّ الشّيخ من عادته كما يبدو يحب أن يستمع للآخر، كما يختصر في الجواب بشكل كبير.

أيضا كان الحديث حول مسائل عموم البلوى، وهل للحاكم أو من ينوب عنه الحق في البت فيها، وهل تندرج في قضايا سعة الخلاف، كذلك ذكرت له ما حدث في المملكة العربيّة السّعوديّة قبل سنوات من جدل في تقنين الفقه، فبعضهم أيد والأغلب لم يؤيد ذلك، وكأنّ الشّيخ يميل إلى عدم التّأييد لطبيعة الفقه في تعدد الآراء، والعبرة كما يرى بصحة الدّليل.

كذلك تطرقنا في المجلس إلى كتاب المغني لابن قدامة [ت 620هـ]، وهو من أمّهات كتب الحنابلة، واهتمام ابن قدامة بالمصلحة، وهنا ذكرت له مثلا مسألة تعجيل زكاة الفطر في المغني: “مسألة: وإن قدّمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه…، ولا يجوز أكثر من ذلك، وقال ابن عمر [73هـ]: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين، وقال بعض أصحابنا – أي الحنابلة -: يجوز تعجيلها بعد نصف الشّهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر، والدّفع من مزدلفة بعد نصف اللّيل، وقال أبو حنيفة [ت 150هـ]: ويجوز تعجيلها قبل الحول لأنّها زكاة، فأشبهت زكاة المال، وقال الشّافعيّ: ويجوز من أول شهر رمضان؛ لأنّ سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السّببين جاز تعجيلها كزكاة المال بعد ملك النّصاب”[4].

وبعد هذا الحديث والّذي ذكرته بالمعنى وما أحفظه مع بعض الزّيادة التّوضيحيّة، والتّوثيق، ومنه ما نسيته، وأي خطأ ينسب إليّ؛ أصر الشّيخ أن نتعشى معه فاعتذرنا لارتباطنا في طاقة، ولتعب السّفر، فرأى أن نتغدى معه في اليوم التّالي معه، فاعتذرنا أيضا لارتباطنا مع الأستاذ العليان، وهنا أصر أيضا إلى توديعنا إلى الخارج، وهنا رأيت أن أهديه كتابي إضاءة قلم حلقة التّعايش.

وبعد هذه الجلسة الحواريّة خرجنا وذهبنا إلى فندق النّيل، واستأجرنا شقة، وأخذنا راحة للاستحمام والصّلاة، لنستعد للذّهاب إلى مدينة طاقة وزيارة الشّيخ سعيد المعشنيّ كما سنرى في الحلقة القادمة.

[1] مقال: سيرة الشيخ العلامة القاضي أحمد الخطيب، منشور في الموقع الالكترونيّ سبلة عمان من قبل مدحت بتّأريخ: 22 يوليو 2012م، تأريخ الزّيارة: الثّلاثاء، 16 يوليو 2019م، السّاعة الخامسة والنّصف عصرا.

[2] المرجع والزّيارة نفسها.

[3] المرجع والزّيارة نفسها.

[4] المغني لابن قدامة، ج 2، ص 668-669.