أيام رمضان (اليوم السادس والعشرون).. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ

 بدر بن سالم العبري

 

بعدما أحل الله سبحانه وتعالى الجماع في ليل رمضان أعقبه ببيان جواز الأكل والشرب أيضا، ولهذا كما أسلفنا ذهب بعض المتأولين أنّ قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ متعلق بالشقين الجماع والأكل والشرب.

وهنا الله تعالى يحل لنا الأكل والشرب من خلال بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الليل، وعليه وقع الخلاف قديما وحديثا في ماهية الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ثمّ لماذا استخدم القرآن الكريم هذا التعبير التشبيهي بدل التصريح بالمراد؟

ومن أشهر الروايات تداولا في تفسير هذه الآية رواية عدي بن حاتم (ت؟) قال: لما أنزلت هذه الآية وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال: إنّ وسادك إذا لعريض، إنّما ذاك بياض النهار من سواد الليل.

وفي رواية سهل بن سعد ت 81هـ وقيل 91هـ قال: أنزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد من الفجر فعلموا إنما يعني الليل والنهار.

وهذا ما ذهب إليه ابن عباس ت 68هـ أنّ نافع بن الأزرق ت 65هـ سأله عن قوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود قال: بياض النهار من سواد الليل، وهو الصبح إذا! قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أمية ت 5هـ: الخيط الأبيض ضوء الصبح منغلق، والخيط الأسود لون الليل مكموم.

والحاصل حدث خلاف في التعامل التأويلي مع الآية، والخلاف في نظري هنا طبيعي لأنّ الآية أعطت عمقا كبيرا للنظر والتدبر والتأويل، كعادة مفردات القرآن كما أسلفنا.

وقبل التطرق إلى هذا الموضع نقف قليلا مع قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ فالبيان من بان الشَّيءُ أي ظهر واتّضح، ومنه الظهور والكشف.

وهنا استخدم الله تعالى لفظة البيان ولم يستخدم لفظة العلم؛ لأنّ الثاني يفيد القطع والأول يفيد الظن، والعمل في هذا يناسبه الظن لأنه يسع جميع الأفراد أولا، كذلك يمكن به التدرج الزماني في الكشف المعرفي، بجانب سعته للمكان والحضارة، ولهذا استخدم القرآن لفظة البيان، وترك للناس مساحة واسعة في النظر والتدبر أولا ثم الإنزال ثانيا.

ولهذا استخدم الله تعالى التشبيه من خلال خيطين، أحدهما أبيض والثاني أسود، فالأبيض يرى بالليل خلاف الأسود، ولكن قدرة رؤيته قد تختلف من شخص لآخر.

وعليه فهم بعض الصّحابة الخيطين أنهما على الحقيقة خيطان، وهذه طبيعة المدارك البشرية، تتفاوت بين الناس في فهم المراد من النّص.

والحاصل هما بالاتفاق جملة الليل والنهار، أو على الخصوص بداية النهار من الليل، أي انشقاقه منه على اعتبار أنّ الليل هو الأصل لا النّهار.

ولئن أذن بلال ت 20هـ حينها فيمتنع الناس عن الأكل والشرب في عهده عليه الصلاة والسلام خلافا لأذان ابن أمّ مكتوم ت 14هـ وقيل: 15هـ؛ فليس الجميع يسمع الأذان، ثم العديد منهم على سفر، ولا توجد حينها ساعات وتقاويم، ولذا كان النص مسايرا والطبيعة الإنسانية من حيث الإدراك البصري والعقلي، ويتميز بالشمول زمانا ومكانا.

فهنا الله تعالى يقول له بكل بساطة كل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فقد يهتدي إليه وهو في انتشاره في الأفق، وقد يهتدي إليه والفجر قد أسفر، بل ربما يهتدي إليه والفجر قد طلع عليه، خاصة وقت السحاب والمطر، ومع ذلك الصّيام صحيح؛ لأنّ اجتهاده في البيان قاده إلى هذا، والأصل بقاء خيط السواد ليأكل ويشرب، فإذا بان له خيط البياض توقف عن ذلك.

ومن ناحية أخرى أعطى الناس مساحة واسعة أيضا في إدراك البيان، بغض النظر عن الخلاف الفقهي في ماهية ذلك، إلا أنّ الخلاف الفقهي تجربة لفهم النص وليس النص ذاته.

وعليه للعلم الحديث كلمته من خلال الإدراك، والوصول إلى أعلى درجات البيان من خلال قطعية العلم، ثم لبيان ظهور الفجر من الليل ينبغي أن تكون الكلمة من حيث الحقيقة العلمية للفلك؛ لأنّ الله تعالى أعطى ذلك نفسه للعقل الإنساني ليتفكر في سنن الكون بما فيه من نجوم وكواكب وجريان وأفلاك ليهتدي بها في ظلمات البر والبحر، ومنها ظلمات الليل وبيان النهار.

وعليه كانت التقاويم الفلكية، ومنها استحدثوا مفهوم الإمساكية، كلّ ذلك تطبيق لنص الآية؛ لأنّها أعطت بعدا تأمليا للنظر والتدبر والتفكر، على أنها باقية من حيث الأفراد والمجموع، وعليه كان الخطاب كالعادة باسم المجموع: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ.

            والخطاب باسم المجموع لأنّ رمضان تظاهرة جماعية في الأصل، حيث يتبين لهم عن طريق الأذان واليوم عن طريق التوقيت الفلكي، إلا أنّ الآية تعم الاستثناء، كما يحدث اليوم في السفر عن طريق الطائرة لمن أراد الصوم، فالتوقيت يختلف، إلا أنّ ظهور ذلك وانتشاره يكفي للإنسان بلا كلفة ولا مشقة، لأن الله تعالى يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.

وفي بداية الجزء من الآية يقول سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، وهنا الأمر للإباحة كما يقول الأصوليون، إلا أنّه مع إطلاقه مقيد بآيات أخرى كأن يكون الأكل والشرب مباحا، وأيضا أن يكون بلا إسراف ولا مباهاة، يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[1].

وفي رمضان للأسف يكثر الإسراف في المشروبات والمأكولات، وهذا يخالف التعاليم القرآنية، ولتحقيق التكامل بين الجميع؛ لأنه دورة تربوية اجتماعية بين الكل، فلا معنى للإسراف هنا، وظهور الإسراف دلالة على غياب مقاصد الصيام وجعله مجرد طقوس خاوية.

كذلك إباحة التمتع فيه مقصد أن الأصل التمتع بهذه الحياة، وهذا الركن الثاني لحق الإنسان بعد حقه الوجودي، وقد أسهبنا عن هذا في كتابنا القيم الخلقية والإنسان.

فالحياة ليست شرا، بل هي متعة يبنيها الإنسان صلاحا وعدلا، ومتعلقة بذات الإنسان، لا بأي عنصر آخر.

[1] الأعراف/ 31.