محفوظات خالدة(6): من أمريكا إلى فلسطين.. قصة مسقط والطبيب الأمريكي

إعداد: فاطمة بنت ناصر

نشرت جريدة الدفاع في عددها الصادر بتاريخ ١٨ شعبان ١٣٥٨هـ الموافق ٢ أكتوبر ١٩٣٩ مقالاً مترجماً من مجلة ( أمريكان مجازين) بعنوان ( طبيب الصحراء ) كتبه فيروم بيتي عن قصة الطبيب بول هاريسون وأهم ماجاء فيه الآتي:

أعظم الناجحين

يعد الدكتور بول هاريسون واحداً من أعظم الأطباء الجراحين في الدنيا وهو يمارس مهنته منذ ٢٨ عاماً، وكل ما كان يطلبه لقاء عملية من العمليات الجراحية الكبرى كان لا يزيد عن ١٥دولار. والعملية الخطرة التي كان لا يرضى فيها الجراح الأخصائي في نيويورك باقل من ١٠٠٠ دولار، كان الدكتور هاريسون عادة لا يتقاضى عليها الا دولاراً واحداً وخمسة وثمانين سنتاً، لكنه كان في كثير من الأحايين يكون سعيداً إذا أخذ بدلاً من هذا الأجر الزهيد الذي يطلبه ٣٦ سنتاً ( الدولار = ١٠٠ سنت )

إلى مسقط

والدكتور هاريسون هو زميل جرش هوبكنز ورفيق له في كلية الجراحة الأمريكية ، وعالم أخصائي في الكثير من فروع الطب والجراحة، فهل تدري أين هو الآن؟
انه في مدينة مسقط العربية، وهي مرفأ بحري يقع على بعد ١٠٠٠ ميل إلى الشمال الغربي من مدينة بومباي الهندية.

أحر مدن الأرض

وتقوم مدينة مسقط على الرمال المحرقة، وتحوط بها تلال صخرية تسد عنها منافذ الهواء، وتجعلها أشد المدن حرارة في الدنيا.
أما الصناعة الرئيسية في هذه المدينة صناعة تجفيف السمك وربما كانت هذه أفظع صناعة في العالم لشدة ما ينبعث منها من روائح.

في أشهر الصيف

ويبلغ عدد سكان هذه المدينة من العرب ١٥ ألف نسمة، يخرج معظمهم كما يخرج الدكتور هاريسون في أواسط الصيف عندما تبلغ درجة الحرارة ( ١٠٨ فهرنهايت = ٤٢ مئوية وتصل إلى ١١٥ = ٤٦ مئوية )، ولا يعود أحد من السكان العيش في وسط هذا القيظ الخانق.

مبشر طبي

والدكتور هاريسون ولد ونشأ وترعرع في ناحية سكربتر احدى نواحي مدينة تيراسكا، و تخرج حائزاً لالقاب الشرف من جامعة تيراسكا، وبعد تخرجه قرر في نفسه أن يكون مبشراً طبياً. واختار لتنفيذ قراره هذا أسوأ مكان في الدنيا من الناحية الطبية، إلى المكان الذي يكره الأطباء أن يذهبوا إليه، وإن كان هو أشد الأمكنة حاجة للأطباء.

يتعلم العربية

ولقد استغرق ذهاب الدكتور هاريسون إلى محطته الأولى شهرين، وبعد سنتين من وصوله إلى مسقط كان قد تعلم العربية وصار قادراً على التكلم بها في سهولة، ومنذ ذلك التاريخ وهو يشتغل في معظم أقبية الجحيم في أقليم الخليج الفارسي، ولكنه لم يغادر مسقط في السنوات العشر الأخيرة.

لايطيع النصح

وعندما ذهب الدكتور هاريسون إلى زيارة بلاده الأمريكية مأذوناً من تلقاء نفسه ينصح له أصدقاءه من رجال الطب بأن يترك عمله في بلاد العرب، ويبدأ بفتح عيادة كبرى له في امريكا حتى يستطيع أن يجمع مايشاء من المال، و يعيش في هناء و رخاء ، ولكن الدكتور هاريسون ليس ممن يطيعون مثل هذا النصح.

ليس مثلهم

انه يؤثر العمل الشاق في مسقط على العمل المريح في امريكا.و لقد سبق لطبيب من الأطباء التابعين للبعثات التبشيرية أن أشتغل في جزيرة العرب عامين اثنين، ثم عرضت عليه احدى شركات البترول عملا مريحاً معها كدكتور فلم يكن منه إلا أن قبل بهذا العرض قائلا لأصادقائه : ” إني سئمت البقاء فقيراً، ولذلك قبلت العمل مع شركة البترول بوظيفتها ذات الراتب الكبير” ولكنه هز رأسه ثم قال : ” إنني لست من أمثال هذا الرجل”.

مايزال قوياً

ومع أن جزيرة العرب قد أتعبت الدكتور هاريسون فإن الناظر إليه لا يجده قد أربى كثيراً على عمره الحقيقي وهو ٥٥ سنة.
ذلك لأن عينيه ماتزالان براءتين و لأن تركيبه الجسدي ما يزال يجعله قوياً على تحمل مافي مسقط من الحر المريع.

مستشفى مسقط

ولقد بنى الدكتور هاريسون مستشفى في مسقط من الأسمنت والحجارة لم يكلفه سوى ١٤ ألف دولار. وهو واقع بين المساجد و المخازن و على مقربة منه دروب ضيقة فيها أكواخ، كما فيها زرائب الحمير والأهل، وهذه هي أحياء البؤساء من أهالي مسقط.

ما يعمله الدكتور

ويبلغ معدل من يعالجهم الدكتور هاريسون ١٢٥ مريضاً كل يوم، وهو يجري ما بين ١٥ و ٢٠ عملية جراحية في الأسبوع، وهو يقوم بهذه العمليات عادة في مستشفاه، ولكنه كثيراً ما يجري عمليات جراحية تحت ظلال النخيل في الصحراء، ومعظم من تعمل لهم هذه العمليات لايدفعون شيئاً و إن تصادف ودفع بعضهم شيئاً قليلاً من المال في بعض الأحايين.
ويستغل الدكتور هاريسون في مستشفاه ستة أيام من كل أسبوع ، ويدخل إليها من تتسع لهم غرفها من المرضى، ويبلغ عدد هذه الغرف ٣٦ غرفة، في بعضها أسرة، ولكن الأشخاص يؤثرون عليها النوم بدل السجاجيد.

 

ملاحظة :
قد يجد القارئ في المقال بعض المبالغات و البيانات الغير دقيقة وللتنويه فهذه المادة منقولة حرفياً كما نشرتها جريدة الدفاع الفلسطينية عام ١٩٣٩.